Religion et Etat dans le christianisme

المسيحية ديناً ودنيا، وواجب الصلاة من أجل الحكام

جيروم شاهين

 جريدة المستقبل اللبنانية

 سينودس مسيحيي الشرق، عالج موضوع الدين والدنيا

 من شائع القول ان العلمانية هي فصل الدين عن الدولة، أو أيضاً فصل الدين عن الدنيا…

ومن شائع القول أيضاً أن الاسلام هو “دين ودنيا” بينما المسيحية هي دين، وليس لها نظرية خاصة تتعلق بتنظيم الدنيا.

القولان فيهما شيء من الصحة وشيء من الالتباس.

من التبسيط المفرط القول ان المسيحية دين وليست دنيا. لن نتطرق هنا الى الدين الاسلامي في موقفه وممارسته من مقولة “الدين والدنيا”. بل سنحصر الكلام بالمسيحية ازاء مقولة “الدين والدنيا”.

بمجيء المسيح ومن ثم نشوء الجماعة المسيحية الأولى، أو الكنيسة الأولى، طرحت مسألة علاقة السلطة الروحية المسيحية مع السلطة الزمنية الوثنية.

فماذا كان أولاً، في الامبراطورية الرومانية، وضع السلطتين الزمنية والدينية؟.

كان الدين خاضعاً كلياً للمدينة أي لسلطة الامبراطور. فالذين أنيطت بهم مهمة ادارة الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المدينة كانوا، هم أنفسهم، موكلين بإدارة الشؤون الدينية، اي بعلاقة أبناء المدينة مع آلهتها. فالامبراطور كان هو “الحبر الأعظم” الذي جمع بيده كل السلطات المدنية والقضائية والدينية. وعلى هذا الأساس أعاد التراث القديم، وتراث الملكية المقدسة التي بها يمر “سلّم الآلهة”، وبها يتحقق ازدهار الجماعة ووحدتها وقوتها. هكذا، وتحت تأثير الحضارة اليونانية المباشر، نظم الأباطرة الرومان “المدينة الرومانية”، وصاغوا لاهوتها السياسي الوثني، حيث اعتبر الامبراطور ابن السلف الذي تألّه بموته، وبالتالي المرشح لأن يتألّه هو بدوره، والكائن المتصل مباشرة بالآلهة التي أقامته رسولاً عنها لتأمين سعادة الجنس البشري.

من الطبيعي إذن، في هذا الإطار، أن ينشأ اتحاد ما بين السلطة الزمنية والسلطة الدينية، بحيث يتلازم حتماً للخضوع السياسي مع الايمان الديني. وبحيث يصبح أي عصيان لعبادة الآلهة، بكل أشكال طقوسها، عصياناً لسلطة روما. من هذه النظرة وتجسيداتها العملية بدأ الصراع المعروف تاريخياً ما بين الوثنية الرومانية المتربعة على عرش السلطة والمسيحية الناشئة. ومن هنا خرجت الاضطهادات التي نكّل بها الأباطرة الرومان المسيحيين الأوائل. في جو توحيد كل السلطات في يد الامبراطور الروماني جاءت المسيحية لتضع أمام السلطان الزمني حدوداً لا يمكن أن يتعداها، وهي حدود وضعها الله الواحد الأوحد. بالتالي يمكننا القول ان المسيحية، في حقبتها الأولى، الممتدة حتى القرن الرابع، فصلت ما بين “الدين” و”الدنيا” أو ما بين قيصر والله. مع ذلك فإننا نلاحظ أن هذا الفصل لم يكن، من جهة، تاماً، ومن جهة أخرى، لم يخل من التباسات على الصعيدين العقائدي النظري، والرعائي العملي.

 لا شك أن الواقعة الأولى التي تؤرخ لبداية فصل السلطتين الروحية والزمنية، في المسيحية، هي تلك التي أوردها الإنجيليون، حيث قالوا: أرسل الفريّسيون والهيرودوستون تلاميذهم الى يسوع “ليصطادوه بكلمة”، فسألوه: “أيحل دفع الجزية الى قيصر أم لا؟ إلا أن يسوع “شعر بخبثهم” فقال: “لماذا تحاولون احراجي، أيها المراؤون! أروني نقد الجزية”. فأتوه بدينار. فقال لهم: “لمن الصورة هذه والكتابة؟” قالوا: “القيصر” فقال لهم: “أدوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله”.

 كان الهيرودوسيون موالين لأسرة هيرودوس المالكة، فكانوا من مؤيدي الرومانيين. أما الفريسيون فكانوا يعدون الاحتلال الروماني عقاباً من الله ويشددون على التقوى الشخصية. كانت الأقاليم تؤدّي للمملكة الرومانية “الجزية”، وهذه هي واحدة لجميع اليهود. وكان تعد علامة خضوع الشعب لروما. وكان الغيورون ينهون أنصارهم عن تأديتها. إلا أن استعمال محاوري يسوع هذه العملة، وهي رمز السلطة الرومانية، برهان على أنهم يقبلون الاستفادة من نظام سياسي معيّن. وإذا ارادوا أن يرفضوا دفع الجزية، وجب عليهم أن يعترضوا على جميع أشكال الوجود الروماني، الأمر الذي لا يعملونه.

يجب أن نشير الى أن الانجيليين يوردون هذه الواقعة للدلالة على “خبث” اليهود و”ريائهم”، بالتالي، فإن جواب المسيح هو لفضح هذا الخبث وهذا الرياء. كما أن الخبث يتجلّى في ازدواجية موقف اليهود من قيصر وإرادة الاستفادة من النظام، وبالوقت نفسه رغبة التخلص من دفع الجزية. بل أيضاً في خلط هؤلاء بين بعدين: بعد الواجبات نحو قيصر وبعد الواجبات نحو الله. فالواجبات في البعد الأول تختلف عن الواجبات في البعد الثاني. ومن ثم فإن طابع الجزية التي تحق لقيصر ليس كطابع الطاعة لله. فالأول نسبي وظرفي، أم الثاني فمطلق ونهائي.

هناك أيضاً قولان ليسوع مهمان في هذه المسألة، قالهما عندما كان بيلاطس يحاكمه. الأول، قوله: “ليست مملكتي من هذا العالم” (يوحنا/36:18) والثاني قوله لبيلاطس: “لو لم تعطَ السلطان من علّ، لم كان لك عليّ من سلطان” (يوحنا: 19: 11).

إذن، يُستنتج مما سبق: أولاً، أن هناك شأن قيصر وشأن الله، ولا يجب الخلط ما بين الشأنين. ثانياً، ان السلطة مصدرها الله، وفي حال النزاع ما بين قيصر والله، فالله هو أكبر من قيصر.

هذا وإن تعليم الرسل للمسيحيين الأوائل بشأن الموقف المسيحي من السلطات المدنية كان بوضوح موقف إطاعة تلك السلطات والخضوع للنظام البشري من أجل الرب: “للملك على أنه السلطان الأكبر، وللحكام على أن لهم التفويض منه أن يعاقبوا فاعل الشر ويثنوا على فاعل الخير”. وهذا الخضوع كان يتضمن واجب الصلاة لأجل الحكام.

المسيحية ديناً ودنيا، وواجب الصلاة من أجل الحكام

Print Friendly
This entry was posted in Articles and tagged , , . Bookmark the permalink.

Comments are closed.