Les chrétiens de Palestine

الفلسطينيون المسيحيون أو أقول للمسيحي: لست عدداً ولا نسبة مئوية

البطريرك ميشيل صباح – القدس

تلقى موقع أبونا المقال التالي، من غبطة البطريرك ميشيل صباح، البطريرك السابق للاتين في القدس، وهو إسهام غبطته في لجان الحوار والتفكير في الأرض المقدسة، في مرحلة ما بعد السينودس الخاص بالمسيحيين في الشرق الاوسط، والذي عالج هويتهم وشركتهم وشهادتهم في مجتمعاتهم داخل الوطن العربي وخارجه. وموقع ابونا يرحب بصاحب الغبطة صبّاح، ويشكره على المقال المرفق، ويسره نشره، وان شاء الله نتلقى المزيد من غبطته.

  الفلسطينيون المسيحيون من هم؟ هم فلسطينيون مثل كل فلسطيني.

 1- ليسوا عددًا يُقَدَّرون به أو نسبة مئوية. ليسوا كذا ألف أو كذا بالمئة. بل هم كل الشعب مع كل الشعب. هم إنسان مئة بالمئة مثل كل فلسطيني ومثل كل إنسان في أي موقع أو قومية أو دين كان. وعلى هذا الأساس يتم التعامل مع كل فلسطيني.

 ما يميز إنسانا عن إنسان وما يميز فلسسطينيا عن فلسطيني هي كفاءاته ومؤهلاته، وهذا الاختلاف جائز ومطلوب لبناء كل جماعة. ولكنّ الكفاءات خادمة للجماعة وبانية لوحدتها، وليست للسيطرة أو الاعتداء. عندما تصبح الكفاءات مبررا للسيطرة أو للاعتداء بَطُلت وحُرِّفَت عن غايتها. وعلى الإنسان صاحب الكفاءة إذ ذاك أولا أن يصلح نفسه ليعود خادما وبانيا، ويكف عن أن يكون مسيطرا أو معتديا.

 2- الفلسطينيون المسيحيون فلسطينيون مثل كل فلسطيني بحاضرهم وبتاريخهم. والتاريخ حافل بالإيجابيات والسلبيات، بالسلام والحروب، وبالحضارات المتعاقبة، مع تعاقب الفاتحين والدول.

 يعود تاريخ المسيحيين إلى القرن الأول للميلاد. وهم أبناء التاريخ الذي مر بهذه الأرض المقدسة. والمسلمون يعودون إلى القرن السابع للميلاد مع الفتوحات العربية الإسلامية التي وصلت إلى القدس وحلت محل الدولة والحضارة المسيحية التي سبقتها. واليوم كل الفلسطينيين، مسيحيين ومسلمين، أبناء التاريخ كله، منذ بدايته المسيحية ثم منذ بدايته الإسلامية، والذي جمع بين الديانات الموحدة وحضاراتها المختلفة المتعاقبة المتناقضة أو المتكاملة. كل ذلك، التاريخ المسيحي والتاريخ الإسلامي، تراث لكل فلسطيني.

 وتاريخ ما قبل الميلاد الذي جمع بين اليهودية والشعوب الكنعانية وغيرها المختلفة في عهد التوراة والتي تلتها الإمبراطوريات القديمة المختلفة منذ فتوحات الإسكندر المقدوني ثم الفتوحات الرومانية. كل ذلك التاريخ برمته هو أيضا تراث كل فلسطيني، المسلم والمسيحي على السواء، بكل إيجابياته وسلبياته، وبكل الحضارات التي تمازجت فيه آنذاك.

 التاريخ هو أحداث ماضية، وأنماط حياة ماضية، مر بها المسيحي والمسلم أفرادا وجماعات. التاريخ هو جذور عامة للمجتمع الحالي، التاريخ المسيحي العربي هو جذور لكل عربي، وكذلك التاريخ الإسلامي العربي هو جذور لكل مسيحي عربي. والتاريخ المسيحي لفلسطين هو جذور لكل فلسطيني. وكذلك التاريخ المسلم لفلسطين هو جذور لكل فلسطيني. فالتاريخ طاقة تعيد اللحمة بين فئات فرَّقها الحاضر، تفرقة قبلية أو قومية أو دينية. كل هذه تعود إلى تاريخ واحد. ونمو التاريخ وتطوره هو جذور  لكل الحاضر. وعندما يمر التاريخ لا يقدر أحد أن يمحوه. كان هنا مسيحيون. وكان هنا مسلمون. وكان هنا يهود. كل ذلك جزء من واقعنا، وكل ذلك يشكل كياننا، إما هو ذاتنا أو علاقة مع ذاتنا. بعضه أصبح الذات، وهي عقيدة كل واحد منا والوقائع الإنسانية والاجتماعية عامة التي تكوِّن ذاتنا، وبعضه أصبح علاقة حيوية مع الذات، مثل العقائد والحضارات المختلفة التي توالت في الأ رض نفسها وفي المجتمع نفسه.

 التاريخ مكان وزمان ولدنا فيهما جميعا نحن المتشابهين اليوم أو المختلفين. اليوم في الأرض المقدسة اختلاف في القومية السياسية، يهودية أو عربية. واختلاف في العقيدة الدينية، يهودية أو مسيحية أو إسلامية. وكما أن أحدا لا يقدر أن يمحو التاريخ، يجب ألا يخاف أحد من التاريخ بما فيه لنا أو علينا. المهم أن نثبّت الحاضر ونصحّح العلاقة بين جميع المكونات في المجتمع الواحد. والحاضر يُثبََّت بالقوة، إما قوة السلاح، وهي عادة جائرة وظالمة، وإما بقوة الروح وبقوة المحبة وهذه القوة هي التي تؤدي بالمجتمعات إلى الاستقرار. لأن الناس مدعوون إلى التعارف والتحاب لا إلى المخاصمة، ولو أن تاريخ الشعوب هو تاريخ حروب ودماء، إلا أن دعوتهم ليست لشَنّ الحروب. يجب أن تبدأ مرحلة جديدة في الإنسانية تؤمن فيها الشعوب بقوة الروح التي فيها.

 والمسيحي في المجتمع العربي يتخذ هذه الطريق، ليس لأنه مغلوب على أمره من حيث مقاييس القوى البشرية، وأنه عدد قليل ولا يملك سلاحا للقتال، بل من حيث قناعته وإرادته الحاسمة أنه إنسان ويريد أن يكون كلَّ إنسان وأن يتعامل إنسانا مع كل إنسان، يجمعه وإياه الروح الذي هو من الخالق نفسه، وطاقةُ المحبة وهي أيضا من صفات الله الخالق. هذه رسالة المسيحي في مجتمع ممزق، من جراء صراعات خارجية، أو داخلية متولدة من النزاعات ذات الطابع القبلي أو الحزبي وما إلى ذلك من الفئويات المفتِّتة لذات إنسان خلقه الله للمحبة.

 3- والفلسطيني يتميز عن سائر شعوب الأرض بميزة مرتبطة بالأرض التي يسكنها اليوم، لأنها أرض مقدسة. وميزة هذه الأرض هي الشمولية الإنسانية، إذ إنها مهد الديانات الموحدة وهي القلب الروحي لكل مؤمن، وهي تراث للإنسانية. فبالإضافة إلى أنها أرضنا ووطننا ومكان دولتنا، هي أيضا أرض ذات شمولية منحها إياها الله. وهذا هو الجزء الأهم من تاريخنا. لا توجد فلسطين كاملة ببعدها المحلي فقط. بل تقوم فلسطين ببعدين، الأول شمولي والثاني محلي. ولا تكتمل القامة الفلسطينية إلا بإدراك واستيعاب هذين البعدين معا.

 4- واليوم هناك قضية فلسطينية مسيحية. بماذا تقوم؟

 أ) تقوم بتقدير المسيحيين بعددهم القليل وبنسبتهم المئوية المتدنية، فيعاملون بموجبها. تقوم بجهلهم أو بتجاهلهم من قبل “العدد الكثير”، أنهم موجودون وأنهم فلسطينيون، لأنهم مختلفون من حيث الدين. تقوم بعدم الشعور من قبل الكثيرين بأنهم يعانون من قضية خاصة بهم.

 ب) تقوم بتربية فلسطينية عامة محدودة النظر، تتغاضى عن البعد الشمولي لهذه الأرض المقدسة، لتجعلها مساحة من الأرض محدودة مثل كل أرض. وليست فلسطين مثل كل أرض.

 ج) وتقوم بتربية دينية وعامة في المناهج المدرسية تهتم لتربية الأكثرية الدينية وتجهل أو تعتدي بوعي أو غير وعي على شخصية الفلسطيني المسيحي.

 د) وتقوم بعوامل مسيحية داخلية منها:

 - تقوقع بعض الجماعة المسيحية داخل مساحة روحية مغلقة، وخائفة.

- وبتربية دينية مسيحية ضيقة ومحدودة لا ترى في المسيحي إنسانا مثل كل إنسان وأنه مسؤول لا عن ذاته فقط بل عن كل شعبه.

- ولا تؤهل المسيحي ليتسامى على مستوى الشمولية التي لأرضه ووطنه، فتجلعه قادرا على رؤية العالم ومخاطبته وفرض فكره وروحانيته.

- وتقوم بأن المسيحيين أنفسهم ليسوا قلبا واحدا وروحا واحدة، كما يريد لهم السيد المسيح أن يكونوا، وذلك لعدم الوحدة الكافية بين الكنائس المختلفة، ولعدم الوحدة الكافية بين أعضاء الكنيسة الواحدة، وبين رئاساتها ومؤمنيها.

 هـ) وتقوم أخيرا بالتحديات السياسية والعالمية التي تواجه فلسطين كلها بمسلميها ومسيحييها، ومنها واقع الاحتلال، وانعدام الكرامة التي منحها الله كل شعب وكل إنسان، وانعدام الاستقلال والسيادة. وكل ما ينجم عن ذلك من صعاب في الحياة اليومية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

 5- “عدد المسيحيين يتقلص”. أصبحنا نسمع هذا الإنذار من كل جهة، وله صدى يزرع الخوف في نفوس الكثيرين منا. تقلص العدد ظاهرة ووجه من أوجه متعددة لقضية المسيحيين في فلسطين وفي الأرض المقدسة. وتستحق هذه الظاهرة دراسة مستقلة وتحليل الأسباب والنتائج والموقف العملي الذي علينا اتخاذه من هذا الجزء من قضية المسيحي العامة.

 القضية المسيحية لها بعد ذاتي وآخر علاقاتي مع المجتمع وكل من فيه. البعد الذاتي أعني: من هو المسيحي وما هو؟ 

 المسيحي إنسان يحمل طاقة روحية خاصة به. والعمل الذاتي يقوم بإدراك المسيحي لما هو ولما يؤمن به ولمن يؤمن به أي يسوع المسيح كلمة الله المتجسد في طبيعتنا وفي أرضنا حاملا رسالة خلاص لكل إنسان أي رسالة حياة وافرة مكتفية روحيا وماديا. وهو إنسان يحاول أن يكمل ذاته إلى أبعد حد ممكن. وبما هو يَثبُت ويُثبِّت ذاته فيقبله مجتمعه.

 والبعد العلاقاتي مكمِّل للبعد الذاتي. فهو جزء لا يتجزأ من مجتمعه بكل من فيه. بل هو “المجتمع كله” إذ كل المجتمع جزء من ذاته. ومن ثم ليس عددا ولا يجوز أن يقيَّم بعدده. ليس كذا ألف ولا هو نسبة مئوية، كثرت أم قلَّت. هو إنسان مئة بالمئة وهو فلسطيني مئة بالمئة ومواطن مئة بالمئة. ذاته تكتمل بالواقع كله الذي يعيش فيه. والواقع كله هو هبة من الله ومكان نعمته. كل واقع صعب أو سهل. ومنطقه وطريقته هي المحبة، وهدفه البناء مع الكل ومن أجل الكل، وهو عالم أن “من أجل الذات” لا يمكن أن يتم إلا ب “من أجل الكل” و”مع الكل”. ويمكن أن يتعرض للرفض من قبل هذا “الكل” أو من قبل بعضه، ويجب ألا يحط ذلك من عزيمته ومن رسالته، فهو في كل الحالات، حالات الرفض أو القبول، حامل رسالة، رسالة محبة وبناء، يحملها لمن يقبله ولن يرفضه، لمن يعرف من هو ولمن يجهله، لمن يهتم له ولمن لا يبالي به.

 القضية المسيحية تعالج على هذا الأساس من المعرفة والثقة بالذات. وبناء على هذا الأساس يقوم تأهيل المسيحي لإعداده لحياته الفردية والاجتماعية بكل أوجهها.

 6- خاتمة

 أقول للمسيحي: لست عددا ولا نسبة مئوية. بل أنت إنسان مئة بالمئة وحامل رسالة. وعليك التعاون مع مجتمعك. ليس مجتمعك خصما لك. حتى ولو كان بعضه خصما وجارَ عليك واضطهدك أو حرمك حريتك ومجالات العمل فيه، أنت تستمر في العمل وفي حمل الرسالة.

 أنت الإنسان القوي بقوة الروح لا بقوة المادة. حتى إذا طغت قوة المادة وأودت بحياتك، سواء قُتِلتَ مباشرة أو بصورة غير مباشرة بتضييق الخناق على حريتك وإمكانات العيش، أنت تستقبل الاضطهاد من أجل حريتك ومن أجل حرية من يضطهدك، وتبذل حياتك من أجل حياة وافرة لك ولمن يقتلك. وتستمر في السير ويستمر أبناؤك من بعدك على الطريق نفسها.

 الإتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة  -  الأردن          

Print Friendly
This entry was posted in Middle East, Situations and tagged , , . Bookmark the permalink.

Comments are closed.