L’Eglise et le dialogue entre les religions

موقف الكنيسة من الحوار بين الأديان

الأب الدكتور ريمون جرجس

 

انفتاح الكنيسة بروح المجمع الفاتيكاني الثاني

بمشاركة اكثر من 35 عالماً ومفكراً من 22 بلداً اسيوياً اضافة الى 17 مفكراً ايرانياً ، استضافت  طهران المؤتمر الدولي لحوار الاديان والثقافات الاسيوية يومي 12 و13 الجاري وناقش المؤتمر عدة نقاط ابرزها المفاهيم الثقافية المشتركة والتقارب الاسيوي والاواصر الاجتماعية بين الشعوب الاسيوية والعولمة والتقارب بين الحضارات.‏ ومن بين المشاركين كان الصديق الاب الدكتور ريمون جرجس الفرنسسكاني والمقيم في دمشق. ويسرنا هنا أن ننشر المداخلة القيمة التي ألقاها الاب العزيز ، حول النظرة الكنسية نحو الحوار والتعاون بين الاديان. (أبونا)

 أودّ أن أتحدث إليكم عن ثقافة الكنيسة الكاثوليكية وموقفها من الحوار بين الأديان من منطلق وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني[1] ومن الرسائل البابوية الرسميّة. من المعروف اليوم ما أدى إليه التقدم التكنولوجي والتنمية الاقتصادية إلى تزايد علاقات الشعوب بعضها ببعض وتضاعف أيضا نقاط الاتصال بين الثقافات والأديان. في هذاالإطار فإن جميع المسيحيين يرغبون أن يتحاوروا مع هذه الأديان للوصول إلى فهم متبادل ومعرفة أعمق للمعتقدات.  وتميّز  بلاد الشرق الأوسط بالتعددية، فلقد قدّر الله الخالق أن تكون هذه البلاد مكاناً مقدّساً للديانات التوحيدية الثلاث: اليهودية، المسيحية، الإسلام، وأن يعيش المؤمنون بهذه الديانات جنباً إلى جنب محافظين على تراثهم ومقدساتهم.  والمسيحييون في بلاد الشرق  عاشوا مع مختلف الثقافات والحضارات كخميرة وملح ونور العالم؛ فكان لهم نسيجاً ثقافياً خاصّاً، بحكم الرسالة الإلهية والإنسانية. ولم يكونو ا غرباء عن محيطهم التاريخي والاجتماعي والثقافي وحتى الجغرافي، بل كانوا من بنى المجتمع الشرقي. وليس غريباً أنّ نقول هنا أنّ المسيحيي الشرق لعبوا في البنيان المعرفي التكويني للحضارة العربية الإسلامية، فثمّة مساهمات فكرية وثقافية عبر سيرورة التاريخ العربي تؤكّد دورهم الإيجابي، بما قاموا به من ترجمة كتب التراث اليوناني والروماني وغيره إلى اللغة العربية. في هذا السياق نقول: المسيحيون في الشرق، هم أساس الشرق العربي، و”إنّ أولى القيم العظمى التي عاشها الشرق المسيحيّ بطريقة خاصّة تمثّلت في الاهتمام بالشعوب وبثقافاتهم كي تستطيع كلمة الله وتمجيدُه أن يعتلنا في كل الألسن”[2].  وقامت الثقافة المسيحية الشرقية على هذا الاعلان الإلهي: أنَّ الله محبّة[3]، وأن العبادة لله القادر على كلّ شيء هو أساس الإيمان. لذلك، إنَّ الحضور التاريخي الراسخ للمسيحيين في الشرق الأوسط، هو حضور أصيل منذ نشأة المسيحية، “هم مواطنون أصليون، ينتمون حتماً وقانوناً إلى النسيج الاجتماعي، وإلى الهوية ذاتها لبلادهم الخاصة. وفي اختفائهم خسارة للتعددية التي ميّزت دائماً بلاد الشرق الأوسط، وغياب الصوت المسيحي سيسبّب إفقار المجتمعات الشرق أوسطية”. وحقيقة دفاع المسيحية عن وجودها الديموغرافي في المنطقة عُبر عنه بشكل واضح عندما “دق مجلس بطاركة الشرق الكاثوليك جرس الخطر نتيجة الهجرة المتزايدة من الشرق” إلى الغرب وسواه من بلدان أخرى[4]

فلو تحرينا في تفاصيل التاريخ المسيحي في الشرق، لوجدنا أن العلاقة بين المسيحيين وغير المسيحيين في العالم الشرق الأوسط لم تكن حميمة، بل كانت مأسوية. ويرى المؤرخون أنّ هذه كانت نتاج أمور نشأت ضمن إطار متباين النزعات الفكرية والثقافية والدينية والسياسية، التي انتشرت بين الشعوب مختلفة العقائد الإيمانية. وكان لهذا الواقع المؤلم أثر سلبي على حياة المسيحيين في بعض نواحي الحياتية الاجتماعية والثقافية، حتى بلغت أوجه بعد ظهور صراعات مذهبية أو دينية. وأخذ البعض يستغل الصراع المذهبي كأداة تحالف سياسي مع بعض الدول لكسب قوّة وضمان وجوده ضد الآخرين. وكانت هذه بداية الصراع بين مختلف المعتقدات الدينية، حتى بين الشرق والغرب، فتأصل  وتعمّقت جذوره في تراب هذا الشرق العربيّ حتى أصبح ليس من السهل اقتلاعها.

لقد عاش الشرق حقبات مؤلمة بسبب الانقسامات بين الكنائس وللصراعات مع الأديان الآخرى.  ومازال حتى اليوم نعيش نتائجه السلبية. فظهرت أحكاماً مسبقة من كلا الطرفين المتعلقة بالآخر، تتفاوت في درجة موضوعيتها وحسب الموضوعات، على المستوى العقائدي، وعلى المستوى الثقافي، وعلى المستوى السياسي. فأصبح منطق الصراع أقوى من منطق الحوار. والعلاقات بين مختلف الأديان (اليهودية-المسيحية والاسلامية) ساد بعضها الانفتاح والتسامح وقبول الآخر كما ساد بعضها الآخر الشك، والانغلاق على الآخر، والتعصب، والعنف، بما فيه العنف الدموي.

فكانت الدعوة إلى الحوار، هي في حدّ ذاتها وسيلة أساسية لتجنب الصراعات، ومحاولة من أجل التفاهم بغية دحض التصادم. فتم إنشاء العديد من المؤتمرات الداعية لترسيخ ثقافة الحوار والتعايش السلمي فضلاً عن الصدام، ويدعون إلى تنمية الحوار بين الأديان لكي يمكن لكل طرف أن يتفهم الآخر ويتعايش معه. لذلك، قامت الكنيسة الكاثوليكية بعدة محاولات إيجابية لفتح حوار بناء مع جميع الأديان يعتمد على تناسي الماضي وجروحاته، فاصدرت توجيهات رسمية لهذا الحوار وانشأت لجنة عليا يُعمل بتوجيهاتها.

لذا اسمحوا لي بعرض ثقافة الكنيسة بضرورة الحوار مع اليهود والاسلام، حسب توجيهات الكنيسة الكاثوليكية، واستعراض سلسلة التصريحات البابويّة  بشكل مختصر.

 الأساس اللاهوتي للحوار بين الأديان:

لقد نشأت أهمية الانفتاح والحوار بين الأديان عن مبدأ لاهوتي وهو:”شاء الله أن يظهر نفسه للعالم عن طريق الوحي الإلهيّ، وأن يعلن للبشر ما حكمت به إرادته منذ البدء بشأن خلاص الإنسان، من أنّه “أشركه في خيراته الإلهية التي تفوق الإدراك”[5]. “ويريد الله خلاص الجميع وأن يصلوا إلى معرفة الحق”. فالهدف الأساسي من الوحي الإلهي هو خلاص “كلّ” إنسان في العالم، “المخلوق الوحيد على الأرض الذي شاءه الله لذاته”[6].  والكنيسة بإعتبارها شعب الله بكليّته، جماعة منظورة ومجتمع روحي، وكلت إليها هذه الرسالة، بأن تمضي إلى تحقيق الخلاص، وأن تكون شركة بين الله الحيّ والإنسان.  يؤكّد المجمع الفاتيكاني الثاني في الدستور العقائدي المجمعي “نور الأمم”: “بأن الكنيسة شركة، علامة وأداة شراكة مع الله، ووحدة الجنس البشري بأسره”. لذلك، رسالة الكنيسة هي وضع الإنسان في شركة مع الله ومع الآخرين. وتتعامل الكنيسة مع “كلّ” إنسان في العالم، على أنّه بشكل من الأشكال عضواً فيها بحكم اتحاده مع “الكلمة” من خلال تجسد المسيح[7]. المسيح هو الكلمة الذي ينير كل إنسان أت إلى هذا العالم، لأنه فيه يُعلن في الوقت ذاته سر الله وسر البشر. فالمسيح الذي مات وقام من اجل الجميع يوفّر لكل إنسان النور والقوة لكي يرتقي إلى دعواه العليا”[8]. والكنيسة بحكم إرساليتها وطبيعتها تشكّل صلة وصل بين الجماعات البشرية والثقافات الإنسانية؛ فهي “شركة إيمان ورجاء ومحبة”[9]؛ “تسير مع كل البشريَّة وتشارك الكون في مصيره الأَرْضي”[10]. لذا، “الحب هو الذي يحض المؤمنين على الاستماع للآخر والبحث عن مجالات للتعاون. وهذا الحب يشجع المحاورين المسيحيين في حوارهم مع أبناء الديانات الأخرى إلى عرض، لا فرض، الإيمان بالمسيح الذي هو الطريق والحق والحياة.

وتدور إرسالية الكنيسة حول الإنسان في احترام وتعزيز حريته الحقيقية ورفض الإكراه أيّا كان شكله، وخاصة في النطاق الديني. لقد أعلن المجمع الفاتيكاني الحالي أن للشخص البشري الحقّ في الحرية الدينية. وهذه الحرية تعني أن جميع البشر محصّنون ضد الإكراه سواء جاء من الأفراد أو من الفرق الاجتماعية أو أي سلطة بشرية. بحيث لا يمكن إجبار أيّ كان على التصرّف بطريقة معاكسة لمعتقداته الشخصية، سواء كان ذلك سرّاً أو في العلن، أكان ذلك فرديّاً أم بالاشتراك مع آخرين ضمن الحدود المقتضاة”[11]. “وعند نشر المعتقد الدينيّ والتعريف بالممارسات الدينية، يجب على كل إنسان أن يمتنع عن أي نوع من السلوك قد يحمل إكراهاً أو نوعاً من الاقتناع يمكن أن يكون شائناً أو غير مجد، وخاصة عند التعامل مع الناس المساكين أو غير المتعلّمين. فطريقة في التصرّف كهذه يمكن أن تعدّ إساءة استخدام لحق الإنسان نفسه وانتهاكاً لحقوق الآخرين”[12]. إن حقيقة كون الارسالية المسيحية غير قابل للفصل عن المحبة والاحترام للآخرين هي برهان للمسيحيين على مكانة الحوار ضمن تلك الرسالة.  وتعبير” الرسالة” قد يساء فهمه، لأن البعض يظنون أن الرسالة والتبشير هو مرادف لتدمير الثقافات وفرض ثقافة من لغة واحدة.

 أهمية حوار الكنيسة مع الأديان في وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني:

أسس البابا بولس السادس في يوم العنصرة سنة 1964، ووسط أجواء “المجمع الفاتيكاني الثاني”، الأمانة العامّة لغير المسيحيين كجسم متميّز من “المجلس المقدّس لتبشير الشعوب”، وذلك كدليل مؤسّساتي على الرغبة في التلاقي والتناغم مع أتباع التراثات الدينية الأخرى في العالم. وقد حدّد الدستور المسمّى Regimini Ecclesiae مجال اختصاص هذه المؤسّسة على أنّه: “البحث عن الوسائل والطرق الآيلة إلى فتح حوار مناسب مع غير المسيحيين. لذلك يتوجب عليها السعي لتمكين المسيحيين من التعرف بكل إخلاص على غير المسيحيين وتقديرهم بشكل صحيح، ولكي يتمكن غير المسيحيين بدورهم من التعرف على التعليم المسيحي والحياة المسيحية وتقديرها بشكل كافٍ” (رقم 99)

عرض البابا بولس السادس في الرسالة العامّة التي صدرت بعنوان Ecclesiam Suam في 6 آب 1964 على الكنيسة رغبته في الانخراط في الحوار مع العالم غير المسيحي. ويُشير إلى اليهود والمسلمين بالشكل التالي: “بعدها نلاحظ من حولنا دائرة أخرى. وهذه بدورها واسعة المدى، ومع ذلك فهي أيضاً غير بعيدة عنّا. وتضمّ الدائرة أولاً وقبل كلّ شيء أولئك الذين يعبدون الإله الواحد العلى، الذي نعبده نحن أيضاً. ويمكننا أن نذكر أوّلاً الشعب اليهودي، الذي ما زال يعتنق ديانة العهد القديم، وهو حقّاً أهل لاحترامنا ومحبّتنا. بعد ذلك لدينا أولئك العابدون الذين يعتنقون أنظمة دينية توحيديّة أخرى، ديانة الإسلام بشكل خاص. ويحسن بنا الإعجاب بهؤلاء الناس من أجل كلّ ما هو خير وحقّ في عبادتهم لله”[13]

أمّا المجمع الفاتيكاني الثاني فقد رسم معلماً جديداً في علاقات الكنيسة بأتباع الديانات الأخرى، في وثائقه المجمعية  بشكل صريح، مؤكّداً أنه توجد في التقاليد الدينية لغير المسيحيين “عناصر صحيحة وجيّدة”[14]، “يحافظون في تقاليدهم على عناصر دينية وإنسانية ثمينة”[15]؛ “عناصر الحقّ والنعمة” و”بذار للتأمل”[16]؛ و”أشعة الحقّ التي تنير كل البشر”[17]. لذلك، هذه القيم تستحق اهتمام المسيحيين وتقديرهم. ويدعو المجمع الفاتيكاني الثاني المسيحيين بأن ينضمّوا إلى هؤلاء البشر بالتقدير والمحبّة، مدركين أنّهم أعضاء في مجموعة البشر التي يعيشون فيها، وأن يُسهموا في الحياة الثقافية والاجتماعية بما في الحياة البشرية من شتّى أنواع التعامل والتداول. وعليهم أن يألفوا تقاليد الآخرين الوطنية والدينية، وأن يكتشفوا بغبطةٍ واحترام بذور الكلمة المستترة فيها”[18]

وفي الدستور العقائدي حول الكنيسة “نور الأمم Lumen Gentium في تاريخ 21 تشرين الثاني 1964 أقرَّ في الفقرة 16 ما يلي: “أمّا الذين لم يقبلوا الانجيل بعدُ فهم أيضاً مدعوُّون بطرق مختلفة إلى شعب الله. وأوّلهم ذلك الشعبُ الذي أوتي العهود والمواعيد، والذي منه خرج المسيح بحسب الجسد؛ ذلك الشعب الذي هو، من حيث الاختيار، محبوبٌ من أجل الآباء، لأن الله لا يندم على ما وهب أو دعا إليه. بيد أنَّ تدبير الخلاص يشمل أيضاً اولئك الين يؤمنون بالخالق، واولهم المسلمون الذين يُعلنون أنّهم على إيمان إبراهيم، ويعبدون معنا الله الواحد، الرحمان الرحيم، الذي يدين الناس في اليوم الآخر”. يعترف الدستور بأن الإسلام دين يعرف الإله الحقّ ويؤمن به.

والإعلان الثاني المجمعي، تناوله البابا بولس السادس في 28 تشرين الأول 1965 في البيان حول “علاقات الكنيسة بالأديان غير المسيحية. بعد أن نظر بانفتاح وموضوعية إلى القيم التي تشهد لها هذه التقاليد وتقدمها للبشرية، يؤكّد على ما يلي: “فالكنيسة الكاثوليكية لا ترذل شيئاً ممّا هو حق ومقدّس في هذه الديانات. بل تنظر بعين الاحترام والصراحة إلى تلك الطرق، طرق المسلك والحياة، وإلى تلك القواعد والتعاليم التي غالباً ما تحمل شعاعاً من تلك الحقيقة التي تنير كل الناس، بالرغم من أنها تختلف في كثير من النقاط عن تلك التي تتمسك بها هي نفسها وتعرضها”[19]. وفي السياق ذاته، يقول البيان: “وتنظر الكنيسةُ أيضاً بتقدير إلى المسلمين الذين يعبدون الله الواحد، الحيّ القيّوم، الرحمن القدير الذي خلق السماء والارض، وكلّم الناس. إنّهم يسعون بكلّ نفوسهم إلى التسليم بأحكام الله وإن خَفيتْ مقاصده، كما سلّم لله إبراهيم الذي يفخر الدين الاسلامي بالانتساب إليه. وإنهم، على كونهم لا يعترفون بيسوع إلهاً، يُكرمونه نبيّاً، ويكرمون امّه العذراء مريم، مبتهلين إليها أحياناً بإيمان. ثم إنهم ينتظرون يوم الدين الذي يُجازي اللهُ فيه جميع الناس بعد ما يُبعثون احياء. من أجل هذا يقدرون الحياة الادبية، ويعبدون الله بالصلاة والصدقة والصوم، خصوصا”[20].  هذا النصّ من البيان، لا يرفض أي حقيقة وشيء مقدّس موجودان في الأديان السماوية. لذلك، الكنيسة تحثّ الكاثوليك على الدخول في حوار فعال مع المؤمنين الآخرين بروح الحكمة ومحبّة.

 أهمية حوار الكنيسة مع الأديان في رسائل البابوات الرسمية:

أظهر البابا يوحنّا بولس الثاني رغبة المجمع الفاتيكاني الثاني للحوار بين الأديان. تحدّث في رسالته العامّة الأولى “فادي الإنسان” Redemptor Hominis، الصادرة في 4 آذار 1979 عن “روح الحقيقة، التي تعمل خارج حدود المنظورة للجسد المسيح السريّ”: “وهذا ما يجب قوله – ولو بطريقة مغايرة ومع ما يجب إدخاله من فوارق – عن ذلك النشاط الذي يبذله من يمثلون الأديان غير المسيحية والذي يقوم على الحوار والاتصالات والصلاة معاً والغوص على كنوز الروحانية البشرية التي، على ما نعرف جيداً، لا تعوز أتباع هذه الديانات. وهل إنّ ثبات أتباع الديانات غير المسيحية على دينهم – وهذا نابع من روح الحقّ الفاعل خارج حدود الجسد السرّي المنظور – لا يخجل، ربّما أحياناً، المسيحيين الذين غالباً ما يميلون إلى الشكّ في الحقائق التي أوحاها الله وأعلنتها الكنيسة ويجنحون إلى النيل من مبادئ الأخلاق وفتح الطريق إلى الإباحية؟. جميل أن يكون المرء مستعداً لتفهّم أي كان من الناس وللبحث في كل نظام وللموافقة على كلّ ما هو حقّ وعدل، ولكن هذا لا يعني على الإطلاق أن يفقد إيمانه الوطيد أو أن ينال من قاعدة الآداب والأخلاق التي لا يلبث فقدانها أن يترك أثره في حياة المجتمعات بكاملها ويجرّ وراءه، في ما يجرّ، أوخم العواقب”[21]. ويؤكّد البابا يوحنّا بولس الثاني أنّ الحوار بين الأديان هو جزء من رسالة الكنيسة، وفي بعض الحيان هو الطريق الوحيد الذي يسير عليه المرسلون لكي يشهدوا للمسيح. يقول في رسالته العامّة”الإرسالية” Redemptoris Missio الصادرة في 7 كانون الأول 1990: “إنه أيضا بالفعل الروح الذي يعمل عندما يحيي الكنيسة ويدفع إلى التبشير بالمسيح، أو عندما يسبغ مواهبه على كل البشر والشعوب وينمّيها فيهم، بحمله الكنيسة على اكتشاف هذه المواهب وتنميتها وتقبّلها بالحوار”[22]. و” إن الحوار بين الديانات يشكّل جزءا من رسالة الكنيسة التبشيرية. فهو، باعتباره طريقة ووسيلة لمعرفة وإغناء متبادلين، لا يتعارض مع الرسالة إلى الأمم. إنه، بالعكس، مرتبط بها، بنوع خاص، وهو تعبير عنها. لأن هذه الرسالة موجهة إلى أناس لا يعرفون المسيح ولا إنجيله”[23]

أعلن مجمع العقيدة والإيمان سنة 2000 ما يلي: “لا شك أن التقاليد الدينية المختلفة تحتوي على عناصر تديّن تأتي من الله وتعرضها وهي تؤلف قسماً ممّا “يعمله الروح في قلوب البشر وفي تاريخ الشعوب وفي الثقافات والديانات. ولا شك أيضاً أنّ بعض الصلوات وبعض الطقوس في الديانات الأخرى تستطيع أن تلعب دور إعداد للإنجيل، كونها مناسبات وتعاليم تشجّع قلوب الناس على الإنفتاح على عمل الله”[24]

يرى البابا بندكتس السادس عشر أنّ الحوار بين الأديان والثقافات “ضرورة حياتية”، يعود لخير الإنسان، وللعالم لكي يسوده السلام والأخوّة، ولكي نشهد على أهمية قيمة البعد الدينية في عصر يتميز بالنسبيّة. هذا الحوار يساعدنا على تغلب معا على جميع التوترات بروح من التعاون المثمر[25].  قال البابا بندكتس السادس عشر، أثناء زيارته التاريخية إلى جزيرة قبرص من الرابع وحتى السادس من حزيران 2010: “المسلمون أخوة لنا وعلينا أن نشجع على رؤية مشتركة للحوار معهم”. تعتبر هذه الكلامات، علامةُ أسمى علاقة بين أبناء المسكونة، أنها كلمةُ الرسالة الإنسانية التي تحملها العقيدة الايمانية المسيحية ، ولازال الاحبار الاجلاء يحملونها عبر الاثير حتى اليوم،  ويعلنونها على الملأ دون تردد ولاخوف بل بشجاعة وأيمان ولا غرض من وراء ذلك إلا عيش الاخوّة الانسانية ليس إلا. نحنُ المسيحيون أخوة لكم وأنتم المسلمون أخوة لنا، فالاخوة رسالة سامية، رسالة السلام والمحبة والحوار. وهذه هي رسالة الكنيسة.

 الخاتمة:

هذا الشرق عرف صراعات سياسية وحروب لعقود طويلة، والتي كانت تستهدف بعض الأحيان المسيحيين بشكل خاص، مع أنّهم من نسيج هذا الشرق الأصيل. من هنا كان الجزء الأهم من كلّ المؤتمرات التي تدعو إلى الحوار أن تترجم هذا الحوار على الأرض الواقع خصوصاً الحوار بين الأديان وإلاّ صار الكلام حبر على ورق، يُنتسى مع مرور السنين. واعتقد أن ما أقدمت عليه الكنيسة الكاثوليكية بفحص صادق لضميرها، وأعلنت اعتذارها عن الأخطاء التي ارتكبتها في الماضي، لخير دليل على أنّها تؤمن بثقافة الحوار، لأنّها تؤمن أنّ الحوار جزء أساسي في رسالتها الإلهية، والإطار الوحيد الذي يضمن للإنسان المسيحي والآخرين حالة وجودية سليمة، يعيشون معاً في تعاون مشترك. فالحوار في الحقيقة لا يقوم على قبول إيمان الآخر، لكن البحث عن طريقة فهم الآخر بشكل متبادل، مع العلم أنّ المعتقدات الدينية الجوهرية تبقى في جميع الأديان مختلفة بعمق. فالمطلوب هو إيجاد مساحة من الحرية والاحترام والتقدير لم هو موجود من إيجابيات روحية وثقافية واخلاقية في جميع الأديان. وهذا ما نسميّه حوار “الحقيقة في المحبة“.

إني آمل من صميم القلب ونحن على أعتاب الألف الثالث الميلادي، أن يقدم الجميع للحوار وذلك بأن يتبنى “كل” إنسان مبدأ أنَّ الله محبة، وأن يسعى إلى تحقيق ذلك في داخل ظروف حياته اليومية بقدر ما يستطيع: “سأكون الحب داخل بيتي“.

 ——————————————————————–[1]  المجمع الفاتيكاني الثاني (1962 – 1965) هو المجمع المسكوني الحادي والعشرون. دعا إليه البابا يوحنا الثالث والعشرون. أصدر عدداً من الدساتير والمراسيم والقرارات والبيانات والتصريحات. وهو يكمل ما لم يستطع المجمع الفاتيكاني الأول أن ينجزه. دُعي واُفتتح المجمع الفاتيكاني الثاني من قبل البابا يوحنا الثالث والعشرون في 11 تشرين الأوّل 1962، وأوضح الغرض منه وهو “تحديث” الحياة الكنسيّة، أيّ تعميق الحياة المسيحية، وتطوير المؤسّسات الكنسية بالنظر إلى ضرورات العصر ومقتضيات الزمان. وتعزيز وحدة المسيحيين، ومساندة العمل الرسوليّ في الكنيسة.

[2]  راجع رسالة البابا يوحنّا بولس الثاني الرسولية، نور الشرق Orientale Lumen، الصادر في 2 آيار 1995، عدد 7.

[3]  رسالة القديس يوحنا الرسول الأولى الفصل الرابع الآية 8 و 16.

[4]  راجع صحيفة “النهار” البيروتية 6/11/2006.

[5]  راجع المجمع الفاتيكاني الثاني في الدستور العقائدي الوحي الإلهي Dei Verbum، رقم 6.

[6]  راجع المرجع السابق،  رقم 24.

[7]  راجع المرجع السابق،  رقم 22.

[8]  راجع رسالة يوحنا بولس الثاني “فادي الإنسان” Redemptor Hominis الصادرة في 4 آذار 1979 رقم 4.

[9]  راجع المجمع الفاتيكاني الثاني في الدستور العقائدي نور الأمم Lumen Gentium، رقم 8.

[10] راجع المجمع الفاتيكاني الثاني في الدستور الراعوي فرح و رجاءGaudium et Spes، رقم 40.

[11]  راجع المجمع الفاتيكاني الثاني في المرسوم “كرامة الإنسان” Dignitatis Humanae الصادر في 7 كانون الأول 1965، رقم 2.

[12]  راجع المرجع السابق، رقم 4.

[13] Then we see another circle around us. This too is vast in extent, yet not so far away from us. It comprises first of all those men who worship the one supreme God, whom we also worship. We would mention first the Jewish people, who still retain the religion of the Old Testament, and who are indeed worthy of our respect and love. Then we have those worshipers who adhere to other monotheistic systems of religion, especially the Moslem religion. We do well to admire these people for all that is good and true in their worship of God. (n. 107).

[14]  راجع القرار المجمعيّ في التنشئة الكهنوتية Optatam Totius رقم 16.

[15]  راجع الدستور العقائدي في الكنيسة في عالم اليوم Gaudium et Spes رقم 92.

[16]  راجع القرار المجمعيّ في نشاط الكنيسة الإرسالي Ad Agentes رقم 9 و18.

[17]  راجع البيان المجمعيّ في علاقات الكنيسة بالأديان غير المسيحية Nostra Aetateرقم 2.

[18]  راجع القرار مجمعيّ في نشاط الكنيسة الإرسالي Ad Agentes رقم 11.

[19]  راجع المجمع الفاتيكاني الثاني، في عصرنا Nostra Aetate، عدد 2.

[20]  راجع المرجع السابق، عدد 3.

[21] What we have just said must also be applied -although in another way and with the due differences-to activity for coming closer together with the representatives of the non-Christian religions, an activity expressed through dialogue, contacts, prayer in common, investigation of the treasures of human spirituality, in which, as we know well, the members of these religions also are not lacking. Does it not sometimes happen that the firm belief of the followers of the non-Christian religions-a belief that is also an effect of the Spirit of truth operating outside the visible confines of the Mystical Body-can make Christians ashamed at being often themselves so disposed to doubt concerning the truths revealed by God and proclaimed by the Church and so prone to relax moral principles and open the way to ethical permissiveness. It is a noble thing to have a predisposition for understanding every person, analyzing every system and recognizing what is right; this does not at all mean losing certitude about one`s own faith or weakening the principles of morality, the lack of which will soon make itself felt in the life of whole societies, with deplorable consequences besides.

[22] Whatever the Spirit brings about in human hearts and in the history of peoples, in cultures and religions serves as a preparation for the Gospel and can only be understood in reference to Christ. (n. 29).

[23] “Inter-religious dialogue is a part of the Church`s evangelizing mission. Understood as a method and means of mutual knowledge and enrichment, dialogue is not in opposition to the mission ad gentes; indeed, it has special links with that mission and is one of its expressions. This mission, in fact, is addressed to those who do not know Christ and his Gospel, and who belong for the most part to other religions” (n. 55).

[24]  راجع مجمع العقيدة والإيمان، إعلان الرب يسوع، حول وحدانية الخلاص وشموليته في يسوع المسيح والكنيسة، حاضرة الفاتيكان 2000، عدد 21.

[25] L`Osservatore Romano, 22-23, 8, 2005, p. 5.

 المصدر

Print Friendly
This entry was posted in Articles and tagged , , , . Bookmark the permalink.

Comments are closed.