Le Pape et les relations avec l’islam

al-Mustaqbal 12. 09. 2012

البابا والعلاقات مع الإسلام

محمد السماك

تتزامن زيارة البابا بنديكتوس السادس عشر للبنان مع الذكرى الخمسين لانعقاد مجمع الفاتيكان الثاني في عام 1962. وكان هذا المجمع ـ الذي كان البابا بنديكتوس أحد أركانه ـ قد أدى الى قلب العلاقات بين الفاتيكان والإسلام “عقباً على رأس” وليس رأساً على عقب. ذلك أن هذه العلاقات كانت قبل المجمع بالغة السوء واستعدائية. إلا أنها بعد المجمع ارتفعت مع المسلمين الى مستوى الأخوة. 

ردد وصف الأخوة البابا بولس السادس، ثم البابا يوحنا بولس الثاني. وعلى قاعدة هذه الأخوة انفتحت آفاق الحوار الإسلامي المسيحي مع الفاتيكان مباشرة، ومن خلاله مع المجالس الكنسية العديدة الأخرى. وتشكل زيارة البابا بعد السينودس حول الشرق الأوسط الذي ترأسه في عام 2010، عنواناً جديداً من عناوين مواصلة المسيرة من العقب الى الرأس.. أي من الاستعداء الى الأخوة. 

لذلك لا بد من مقدمة تعريفية قصيرة حول “مجمع الفاتيكان الثاني” وعلاقته بالإسلام، باعتبار أن ما صدر عن هذا المجمع فتح صفحة جديدة في العلاقات الإسلامية المسيحية. ولا بد من محاولة الإجابة عن السؤال المطروح: هل نجحت هذه الصفحة الجديدة في إقامة علاقات أفضل بين المسيحيين والمسلمين؟ وهل أن العلاقات القائمة حالياً تشكل نموذجاً لهذه العلاقات الأفضل؟. وبالتالي دليلاً على نجاح الفاتيكان الثاني في إطلاق مسيرة الحوار مع الإسلام؟.

في عام 1962 دعا البابا الطيب ـ كما كان يلقب ـ يوحنا الثالث والعشرون الى عقد مجمع للأساقفة حضره 2450 أسقفاً من مختلف أنحاء العالم، وكان عنوان المجمع: “الحياة الكهنوتية والعلاقات الاجتماعية: الكنيسة والعالم المعاصر”. استمر المجمع الذي يعتبر أحد أهم المجامع العشرين التي سبقته، من 11 تشرين الأول/أكتوبر 1962 الى 8 كانون الأول/ديسمبر 1965 أي الى عهد خليفته البابا بولس السادس (1963-1978). أما أهميته فتعود الى طبيعة القرارات الدينية التي اتخذها بشأن تحديد علاقات الفاتيكان بالكنائس المسيحية غير الكاثوليكية، الأرثوذكسية والانجيلية، وعلاقته بالأديان الأخرى: اليهودية والإسلام. فقد أعلن المجمع ولأول مرة احترامه للمسلمين لأنهم يقولون بإله واحد ويحترمون المسيح وأمه ويؤمنون به نبياً. كما يؤمنون بعذرية السيدة مريم وباليوم الآخر وبالحساب والعقاب. وأكد المجمع على احترامه للمسلمين لأنهم يقيمون الصلاة لله، ويؤتون الزكاة ويقومون بأعمال الخير للصالح العام. واعتبر المجمع في قراراته ـ وهذا أمر بالغ الأهمية ـ “أن الخلافات مع المسلمين تشكل خطيئة للإيمان بالله الواحد الذي خلق الناس جميعاً ودعاهم الى الخلاص والسعادة”. 
هنا لا بد من الملاحظة الهامة التالية وهي أن المؤتمر في كل الكلام الايجابي الجيد والجديد الذي صدر عنه لم يذكر الإسلام بل ذكر المسلمين. أي انه تجنب الحديث عن الإسلام كدين ورسالة سماوية واكتفى بالحديث عن المسلمين كأصحاب عقيدة يؤمنون بها. 

مع ذلك عمل على تكريس هذه التعاليم الأسقفية الجديدة البابا بولس السادس الذي خلف البابا يوحنا الثالث والعشرين (الذي كان توفي في 3 حزيران/يونيو 1963، أي قبل انتهاء أعمال المجمع). فالبابا الأول يوحنا، واجه موجة من معارضات المحافظين المتشددين لانفتاحه (حتى أنه ذهب الى استقبال صهر الزعيم السوفياتي السابق خروتشوف مع أن الكنيسة حرّمت الشيوعية). وحمل مشعل الانفتاح من بعده البابا بولس السادس (أول بابا يسافر الى خارج أوروبا ويسمح للكرادلة باستخدام الملابس المدنية ويوافق على إجراء القداس باللغة الوطنية وليس باللغة اللاتينية حكماً).

وفي ضوء هذه التعاليم البناءة الجديدة التي أقرّها المجمع الفاتيكاني وتبناها اثنان من البابوات المنفتحين، أعدّ الأب جوزف كوك والأستاذ لويس غارده وثيقة قدّم لها الكاردينال ماريللا المسؤول السابق عن أمانة شؤون غير المسيحيين في الفاتيكان موجهة أساسا الى المسيحيين الذين، كما جاء في الوثيقة “يلتقون المسلمين ويتمنون العيش في حوار دائم ومفتوح معهم”. تقول هذه الوثيقة: “… يجب أن نعترف وبكل شجاعة وصدق، أن المسلمين لم يلاقوا من العالم المسيحي إلا القليل من التعاطف والود… وقليلون هم الذين أولوهم العناية الكافية، على رغم أن الرهبان والراهبات أظهروا اهتماماً كبيراً في مجالات التعليم والمساعدة والرعاية، ولكن جهودهم بقيت جزئية أمام اتساع الاحتياجات. كما أن الغربيين المستشرقين منهم والعلماء والمتخصصين بالإسلاميات، أظهروا تعاطفاً وتفهماً لكل ما يتعلق بأهداف دراساتهم، ولكن تفهمهم للإنسان وتعاطفهم معه كان أقل… وهذا ما يأخذه المسلمون عليهم في أيامنا هذه، مع شيء من اللوم والعتاب. 

وحتى اليوم، وفي أكثر الأحيان، عرف المسلمون العالم الغربي من خلال الأنظمة الاستعمارية. وباختصار، يجب أن نعي بكل موضوعية أن المسيحيين لم يحققوا بعد، كمجموعة، الشرط الأول والأهم الذي يؤهلهم لأن يكونوا موجودين وحاضرين في عالم المسلمين كما هو، وعلى حقيقته… وعلى هذا الأساس فإن الحوار لن يكون ممكناً طالما أن مثل هذا الجهد لم يُبذل بعد”.

وجاء في الوثيقة أيضاً: “لقد ساد بين المسلمين والمسيحيين ماضٍ مؤلم سيطر عليه الاقتتال والعداوة، في ما عدا بعض أجزاء العالم الإسلامي التي بقيت جغرافياً بعيدة عن الغرب المسيحي، لدرجة أن المجموعتين انطوتا على نفسيهما، وبقي كل منهما محافظاً على موقفه. ومثل هذا الوضع لا يشجع على الحوار إطلاقاً، ويجب أن نعمل على تجاوزه، وعلينا نحن المسيحيين أن نبدأ الخطوة الأولى من دون أن نحاول معرفة ما إذا كان هذا منطقياً في نظر الحكمة الإنسانية. فلنتجه اذاً، بزخم الفضائل الإلهية نحو الحياة والمستقبل، ونعطي هذا التوجه كل ما يتطلبه من وقت ومواظبة”.

لقد نقل الفاتيكان الثاني الموقف الفاتيكاني من حالة العداء القديم للإسلام الى التصالح مع المسلمين والتعايش معهم. وهذا مهم جداً. فحالة العداء انطلقت كما هو معروف تاريخياً من ديركليمنت في فرنسا في عام 1095 عندما أطلق البابا أوبانوس الحروب الصليبية التي استمرت حتى عام 1291. 

وكان للفاتيكان في عام 1212 بقيادة البابا اينوثنتو الثالث Innocento III دوره في قيادة تحالف مسيحي أوروبي لطرد المسلمين من إسبانيا. كما كان له دور في دعم الجهود العسكرية لطرد الأتراك ـ كمسلمين ـ من شرق أوروبا (مساعدة رومانيا) ومن البحر المتوسط (مساعدة مالطه).
وحتى عندما توقف هذا الدور للفاتيكان، تواصل دور حركات الاستعمار الغربي للشرق تحت مظلة دينية:
فالجنرال الفرنسي غورو عندما احتل دمشق، رفس بجزمته قبر صلاح الدين وردد عبارته المشهورة: “ها قد عدنا يا صلاح الدين”. والجنرال الانكليزي اللنبي عندما احتل القدس ردد عبارة شهيرة أيضاً قال فيها: “الآن انتهت الحرب الصليبية”.

هذه الخلفية المباشرة وغير المباشرة للصراع مع الشرق أو على الشرق، كونت النظرية السلبية والخاطئة لدى بعض المسلمين بأن المسيحيين الشرقيين والغرب شيء واحد. وهم ليسوا كذلك. وعلى قاعدة هذه النظرية الخاطئة تأسست معاناة مسيحيي الشرق. 

من هنا أهمية مجمع الفاتيكان الثاني في طي تلك الصفحة من التاريخ وفي فتح صفحة جديدة في التاريخ الحديث. 
تحمل هذه الصفحة الجديدة عنواناً هاماً يقول بقطع الصلة بين الماضي المضطرب والمستقبل الواعد، وذلك من خلال فك الارتباط بين الدين والخلافات السياسية والصراعات العسكرية. وتدعو هذه الصفحة تالياً الى مد جسر للتفاهم مع أهل الأديان الأخرى، ومع المسلمين تحديداً. ولأن هذا الجسر لم يصل في امتداده الى الإسلام كدين ولأنه وقف عند المسلمين كمؤمنين، فإن المبادرة الفاتيكانية على أهميتها لاقت ترحيباً خجولاً في الستينات والسبعينات في العالم العربي. وحتى هذا الترحيب الخجول ما لبث أن تعثر وخبا تحت الضربات المتتالية التي تعرضت لها الدول العربية. ومن أكثر تلك الضربات إيلاماً الهزيمة العسكرية التي لحقت بها في عام 1967 على يد القوات الإسرائيلية وخسارة القدس وكل فلسطين وأجزاء واسعة من مصر والأردن وسوريا. ثم نشوب حرب 1973 وما تلاها من تداعيات، بما فيها تسوية كمب دافيد 1979 بين مصر وإسرائيل وما أسفرت عنه من انقسامات في الصفوف العربية صرفتها عن أي اهتمام آخر. وكان من نتيجة حالة اللاتوازن واللااستقرار التي مرّ بها العالم العربي أن وثيقة مجمع الفاتيكان الثاني لم تأخذ حقها في الدرس ولم تتبوأ المكانة التي تستحقها في سلّم الاهتمامات العربية. وكادت تصبح نسياً منسياً، الى أن اتخذ البابا الراحل يوحنا بولس الثاني مبادرته بالدعوة الى مؤتمر عالمي في عام 1986 حول الحوار بين الأديان عُقد في مدينة أسيزي، موقع ضريح القديس فرنسيس أسيزي الذي حاور المسلمين أثناء حروب الفرنجة (الحملات الصليبية). فقد حرص البابا على دعوة ممثلين مسلمين للمشاركة في هذا المؤتمر الذي أعاد فتح عيون العرب والمسلمين من جديد على ملف العلاقة مع الفاتيكان وفي ضوء ما صدر عن مجمع الفاتيكان الثاني. 

وبعد أسيزي قام البابا يوحنا بولس الثاني بمبادرات ضخت المزيد من الدم في عروق الوعي العربي لأهمية قرارات المجمع وأبعادها، منها:

زياراته لعدد من الدول الإسلامية في آسيا وأفريقيا، حيث يوجد الآن ثلثا عدد المسيحيين في العالم. 
دعوته الى سينودس خاص حول لبنان وتأكيده على المشاركة الإسلامية في أعماله. وكانت تلك المشاركة الأولى في تاريخ المجامع الفاتيكانية. 

استجاباته لنداءات قيادات مسيحية فلسطينية وعربية وتعاطفه معها. 

زيارته للقدس وتأكيده على ثوابت الموقف الفاتيكاني منها، وهو موقف رافض للتهويد. 
إضافة الى ذلك، شهد الربع الأخير من القرن العشرين سلسلة من المبادرات المسيحية المختلفة للانفتاح على المسلمين وللحوار معهم. أثمرت تلك المبادرات التي التزمت بروح الفاتيكان الثاني، عن تجاوب إسلامي تمثل هذه المرة في إطلاق سلسلة من المبادرات الإسلامية منذ مطلع القرن الواحد والعشرين. منها:
قيام “ثنائيات حوارية” بين الفاتيكان من جهة وكل من الأزهر الشريف في مصر، ومؤسسة آل البيت في الأردن، وجمعية الدعوة الإسلامية العالمية في ليبيا، عقدت جلسات وندوات متبادلة حول أسس التعاون المتبادل ومواجهة القضايا المشتركة. 

مبادرة منظمة التعاون الإسلامي أمام الأمم المتحدة التي أعلنها بإسمها الرئيس الايراني الأسبق محمد خاتمي (الرئيس الدوري للمنظمة) لاعتبار عام 2000 عاماً للحوار بين الأديان. 
مبادرة “كلمة سواء” حول “حب الله وحب الجار” التي أطلقتها منظمة آل البيت في الأردن. 
مبادرة “تعارفوا” التي أطلقتها جمعية الدعوة الإسلامية العالمية ليبيا، للتعارف بين أهل الأديان المختلفة على أساس ان الدين واحد وأن الله واحد، وأن الناس جميعهم خلقوا من نفس واحدة. 
مبادرة الملك عبد الله بن عبد العزيز للحوار بين الأديان والثقافات، وهي أهم هذه المبادرات لأسباب ثلاثة:
السبب الأول هو أن صاحب المبادرة هو خادم الحرمين الشريفين، أقدس موقعين لدى المسلمين. 
السبب الثاني هو أن الملك حرص على عقد مؤتمر إسلامي في مكة المكرمة سبق إعلان مبادرته، ضم علماء مسلمين من جميع المذاهب ومن جميع الدول (وهو أشبه ما يكون بمجلس أساقفة من حيث المنظور الكاثوليكي) أكد على أهمية الحوار مع أهل الأديان والثقافات الأخرى وعلى ضرورته، وأقرّ في الوقت عينه مبدأ شرعيته وآليته.

أما السبب الثالث فهو تحويل المبادرة الى منظمة عالمية مقرّها فيينا. والشركاء الدوليون فيها مع المملكة العربية السعودية، هم النمسا وإسبانيا، إضافة الى الفاتيكان الذي يتمتع بصفة مراقب. ويتولى الأمانة العامة للمنظمة شخصية سعودية بارزة لها باع طويل في الحوار وهو وزير في الديوان الملكي، كما يتولى نيابة الأمانة العامة وزيرة العدل السابقة في النمسا. ويضم مجلس الإدارة ممثلين عن المسيحيين الكاثوليك والأرثوذكس والانجيليين، كما يضم ممثلين عن الإسلام السني والشيعي، وعن اليهودية والبوذية والهندوسية. 

السؤال الآن : هل كان لهذه المبادرات الإسلامية المتعددة أن تبصر النور لو لم يسبقها الى ذلك مجمع الفاتيكان الثاني. وهل يمكن لأي من هذه المبادرات أن تحقق أهدافها في إقامة علاقات احترام ومحبة وتعاون خصوصاً مع المسيحيين في العالم عامة ومع مسيحيي الشرق خاصة من دون الارتكاز الى المبادئ التي وضعها الفاتيكان الثاني وعمل عليها؟.

إن آخر الأمثلة على ذلك هو السينودس حول الشرق الأوسط الذي دعا اليه وترأسه البابا بنديكتوس السادس عشر. فالسينودس خصص لبحث أوضاع مسيحيي الشرق والمخاطر التي يواجهونها في خضم المتغيرات التي تعصف بمعظم دول المنطقة. وتقدم التجربة العراقية، والى حد أقل، التجربة المصرية، نماذج تدعو للقلق بل للخوف على المستقبل وعلى المصير، من حيث ما رافقها من سلوك معادٍ للمسيحيين. وهو سلوك يتناقض ليس فقط مع حقوق المواطنة ولكنه يتناقض أيضاً مع التعاليم الإسلامية. 

لو لم يكن البابا بنديكتوس السادس عشر ومن خلفه مجلس الأساقفة مسلحاً بقرارات وتوصيات الفاتيكان الثاني حول العلاقة مع المسلمين، كيف كان سيدعوهم في وثيقة الإرشاد الرسولي لاحترام حقوق المسيحيين واحترام حرياتهم الدينية؟ وكيف كان سيدعو الى العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين؟. 
لا يتوقف الأمر في هذه القضية المبدئية الهامة على الشرق الأوسط وحده. فالعالم كله الآن بحاجة الى ثقافة احترام التعدد الديني والتنوع العنصري أساساً للاستقرار والسلام العالميين. 

وأشير هنا الى التداخل الإسلامي المسيحي المتمثل في ظاهرتين أساسيتين. الظاهرة الأولى هي أن 80 في المئة من مسيحيي العالم كانوا حتى القرن التاسع عشر يعيشون في أوروبا وفي الدول الأميركية. أما الآن فإن ثلثي المسيحيين في العالم يعيشون إضافة الى أميركا الجنوبية في آسيا وأفريقيا، حيث يستوطن الإسلام أيضاً. وهذا يعني أن المسيحية لم تعد دين البيض فقط ودين الأغنياء فقط، ودين المستعمرين السابقين فقط، ولكن المسيحية أصبحت اليوم دين الملونين والفقراء والمعذبين المضطهدين أيضاً. فمع التغيير الديموغرافي تغيرت صورتها وتغيرت تالياً نظرة الآخرين اليها. 

اما الظاهرة الثانية فهي أن المسلمين الذين يبلغ عددهم ملياراً ونصف المليار إنسان، يعيش ثلثهم، أي أكثر من 500 مليون مسلم، في دول ومجتمعات غير إسلامية. 

تضع الظاهرتان المسيحيين والمسلمين، بل إنها تضع العالم كله، أمام مفترق جديد، وهو: إما التعايش وإما التصادم. جربنا التصادم فما خرجنا منه إلا بالدمار والدماء والدموع. فلنجرب التعايش. نعرف أن التعايش هو كبناء الجسور يحتاج الى وقت والى صبر والى تضحيات حتى يقوم ويثبت ويستقر. ونعرف أيضاً أن التصادم هو كنسف الجسور، لا يحتاج الى أكثر من كمية من الديناميت زهيدة الثمن، لتحوله الى أنقاض في ثوانٍ معدودات. 
خرج الفاتيكان الثاني من تجربة التصادم الطويلة السابقة بوضع أسس ومبادئ للتعايش. إن دور المسلمين اليوم هو إثراء هذه الأسس والمبادئ وإغناؤها والبناء عليها وهذه هي أهمية سلسلة المبادرات الإسلامية. فكما أن الجسر يقوم على قاعدتين، كذلك فإن التعايش لا يقوم إلا على تلاقي إرادتين. والوسيلة الوحيدة لهذا التلاقي هي الحوار.
فالحوار ليس هدفاً في حد ذاته. إنه مجرد آلية للتفاهم بين مختلفين وللتوافق على قواعد تحترم الاختلاف ولا تزيله أو تلغيه بالضرورة. إنه فن البحث عن الحقيقة في وجهة نظر الآخر. ولا يكون الآخر آخر إلا اذا كان مختلفاً. 
هناك اختلافات بين الإسلام والمسيحية يعترف بها المسلمون والمسيحيون معاً. ولكن هذه الاختلافات لا تعني اللاتعايش بين المختلفين. لقد وضع الفاتيكان الثاني المبادئ العامة للتعايش على قاعدة الإقرار بهذه الاختلافات من جهة، وإبراز الجوامع المشتركة مع المسلمين من جهة ثانية. وبالنسبة للإسلام فإن القاعدة واضحة وهي قاعدة إيمانية أصيلة تقول إن المسلم لا يكون مسلماً إذا لم يؤمن بالمسيحية رسالة من عند الله، وإذا لم يؤمن بالكتاب المقدس، الانجيل والتوراة، وبأن فيهما هدىً ونوراً من الله، وإذا لم يؤمن بعذرية مريم. تبقى هناك اختلافات. ولكن أياً كان نوعها وحجمها فإن الثوابت الإيمانية تشكل لبنات كافية لبناء جسر متين من المحبة والاحترام والتعاون المتبادل. أما عملية البناء ذاتها فإنها تتواصل بالحوار بكل ما يتطلبه من أناة وتبصر وصبر وتصميم.

(­فصل من كتاب “الإسلام والفاتيكان” يصدر قريباً عن دار النفائس)

 

 

Print Friendly
This entry was posted in Articles, Middle East, Situations and tagged , , , . Bookmark the permalink.

Comments are closed.