Cardinal Scola: la liberté religieuse et la laïcisation

الكاردينال أنجلو سكولا يكتب حول: الحرية الدينية والعلمنة

 الكاردينال أنجيلو سكولا،رئيس أساقفة ميلانو – ورئيس مؤسّسة الواحة الدوليّة الخاصة بالحوار بين المسلمين والمسيحيين في العالم أجمع

إنّ التحدّث اليوم عن الحريّة الدينيّة يعني مواجهة حالة طارئة تتّخذ طابعًا عالميًّا على نحو متزايد. فوفقًا للدراسة الدقيقة التي قام بها برايان ج. غريم وروجر فينك ، كانت هناك في الفترة الواقعة بين عامي 2000 و2007 123 دولة جرى فيها شكل من أشكال الاضطهاد الدينيّ، وهذا العدد يتزايد للأسف باستمرار.

إنّ هذه المعطيات، التي تشكِّل تعبيرًا مقلقًا عن حالة سيّئة وخطيرة للحضارة، تدفع إلى تكثيف التعمّق في الموضوع من دون إهمال المناقشات، المتأجّجة أحيانًا وغير الخامدة أبدًا، حول طبيعة إعلان “كرامة الإنسان” وتفسيره الصحيح وضرورة اعتماده.

بادئ ذي بدء، إنّ موضوع “الحريّة الدينية”، الذي يثير للوهلة الأولى إجماعًا واسعًا جدًّا حوله، له منذ القدم محتوى غير بديهيّ البتّة. فهو يقع في عقدة معقّدة بعض الشيء، تتشابك فيها ثلاث مشاكل خطيرة على الأقلّ: أ) العلاقة ما بين الحقيقة الموضوعيّة وضمير الفرد، ب) التنسيق ما بين الجماعات الدينيّة وسلطة الدولة، ج)، من وجهة النظر اللاهوتيّة المسيحيّة، مسألة تفسير شموليّة الخلاص في المسيح أمام تعدّد الأديان ورؤى العالم (رؤى أخلاقيّة “جوهريّة”).

ثانيًا، بجانب هذه المشاكل الكلاسيكيّة إذا جاز التعبير، في تفسير الحريّة الدينيّة، ينبغي أن نضيف اليومَ قضايا جديدة ليست أقلّ حسمًا.
أشير إلى ثلاثة منها. الأولى هي مشكلة العلاقة ما بين البحث الدينيّ الشخصيّ والتعبير الجماعيّ عنه. فغالبًا ما يُطرح السؤال التالي: إلى أيِّ مدى يمكن أن تختصر الحريّة الدينيّة على التعبير الفرديّ فحسب؟ من ناحية أخرى، يجب أن نتساءل تحت أيِّ شروط يمكن لِـ “مجموعة دينيّة” ما أن تطالب باعتراف عامّ في مجتمع تعدّديّ من الأديان والثقافات. نحن أمام المسألة الحسّاسة المتعلّقة بسلطة المؤسّسات العامّة القائمة شرعيًّا على التمييز بين ما هو دينٌ أصيل وبين ما ليس بذلك. تؤكِّد الوقائع بالتالي أنّ التمييز بين السلطة السياسيّة والأديان ليست بالبديهيّة كما قد يبدو للوهلة الأولى.

تَبرز بخصائص مماثلةٍ مشكلةُ التمييز بين الأديان و “البدع”: هذا موضوعٌ قديمٌ قدمَ المفهوم الرومانيّ للديانة المسموح بها religio licita ، لكنّه اكتسب في الآونة الأخيرة مظهرًا أكثر حدّة لعدّة أسباب: التفكّك وتكاثر “الجماعات” داخل العالم المسيحيّ؛ الموقف اللاأدريّ لغالبيّة التشريعات أمام الظواهر الدينيّة.

وأخيرًا، من المهمّ أن نلاحظ أنّ أحد المواضيع الأكثر إثارةً للجدل اليوم في إطار النقاش حول الحريّة الدينيّة هو ارتباطه بحريّة التحوّل إلى ديانة أخرى.

لكلّ هذه الأسباب، يبدو التأمّل بالحريّة الدينيّة وممارستها الآن أكثر صعوبة بكثير ممّا كنّا نتوقّع، بل سيّما بعد الإعلان المجمعيّ الصادر عن المجمع المسكوني الفاتيكان الثاني قبل خمسين عاما والمتعلق بالحرية الدينية.

عُقد يجدر حلّها

في هذا الإطار، ومن أجل حلّ بعض العقد الإشكاليّة، سيكون مفيدًا وملائمًا الأخذ بنوعين على الأقلّ من الاعتبارات.

النوع الأوّل يتعلّق بالصلة ما بين الحريّة الدينيّة والسلم الاجتماعيّ. فقد أظهرت دراسات حديثة عديدة، وليس فقط الطريقة، كيف أنّ هناك علاقة وثيقة للغاية بين الواقعين. إذا أمكننا، في كلام مجرَّدٍ، تصوّرُ أنّ تشريعًا ما يقلّل هوامش التنوّع الدينيّ قادرٌ أيضًا على أن يقلّل الفتن التي قد تترتّب عنها حتى القضاء عليها، فإنّ ما يحدث هو العكس تمامًا: كلّما فرضت الدولة قيودًا، ازدادت التباينات ذات الأساس الديني. وهذه النتيجة في الواقع مفهومة، ففرض الممارسات الدينيّة أو حظرها بموجب القانون لا يؤدّي، في ظلّ جلاء عدم احتمال تغيير المعتقدات الشخصيّة المطابقة كذلك، سوى إلى زيادة ذاك الحقد والإحباط اللذين يظهران في وقت لاحق، في الساحة العامّة، على شكل صراعات.
أمّا المشكلة الثانية فهي أكثر تعقيدًا وتتطلّب تفكيرًا أكثر تفصيلاً. وتتعلّق بالصلة بين الحريّة الدينيّة وتوجّه الدولة، وعلى مستويات عدّة، توجّهات جميع مؤسّسات الدولة، تجاه الجماعات الدينيّة الحاضرة في المجتمع المدني.

لقد بدّل التطوّرُ المتزايد للدول الديمقراطيّة الليبراليّة في التوازن الذي تأسّست عليه تقليديًّا السلطة السياسيّة. فحتّى عقود قليلة خلت كان معظم المواطنين يعودون بشكلٍ جوهريّ وواضح إلى هيكليّات أنثروبولوجيّة معترَف بها عمومًا، أقلّه بالمعنى الواسع للتعبير، كأبعاد مؤسِّسة للخبرة الدينيّة: الولادة، الزواج، الإنجاب، التربية والموت.

ماذا حدث عندما وُضع هذا المرجع، المُحدَّد بأصله الدينيّ، موضع تساؤل واعتُبر غير صالح للاستخدام؟ بدأت إجراءاتُ صنع القرار في السياسة تأخد طبعًا مُطلقًا يميل إلى تبرير ذاته. والبرهان على ذلك حقيقة أنّ المشكلة الكلاسيكيّة حول الحكم الأخلاقيّ على القوانين تحوّلَ على نحو متزايد إلى مسألة في الحريّة الدينيّة. يتحدّث مؤتمر الأساقفة في الولايات المتحدة بصراحة عن جرح للحريّة الدينيّة بخصوص الـHHS Mandate أي الإصلاح الصحّي الذي أصدره أوباما والذي “يفرض” على أنواع عديدة من المؤسّسات الدينيّة (وخاصّةً المستشفيات والمدارس) تقديم بوليصات تأمين صحّي لموظّفيهم تشتمل على وسائل لمنع الحمل والإجهاض وإجراءات تعقيم.

يعود الافتراضُ النظريّ للتطوّر المذكور أعلاه، ، على أرض الواقع، إلى النموذج الفرنسي للعلمنة laicité الذي بدا للكثيرين جوابًا يلائم ضمان الحريّة الدينيّة الكاملة، وخاصّةً بالنسبة لمجموعات الأقليّات. إنّه يقوم على فكرة اللامبالاة in-differenza، المعرَّفة كـ “حياد” مؤسّسات الدولة بالنسبة للظاهرة الدينيّة، ولهذا تبدو للوهلة الأولى ملائمة لبناء محيط مؤاتٍ لحريّة الجميع الدينيّة. إنّه تصوّرٌ أضحى الآن واسع النطاق في الثقافة الأوروبيّة القانونيّة والسياسيّة، تراكمت فيه مع ذلك، إذا ما أمعنّا النظر، مقولاتُ الحريّة الدينيّة وما يُسمّى بِـ “حياد” الدولة على نحو متزايد، حتّى اختلطت في النهاية. على أرض الواقع، ولأسباب مختلفة ذات طابع نظريّ وتاريخيّ معًا، انتهت الحال بالعلمانيّة على الطريقة الفرنسيّة لتصبح نموذجًا معاديًا للظاهرة الدينيّة. لماذا؟ بادئ ذي بدء، بدت فكرة “الحياد” إشكاليّة بشكلٍ كافٍ، خاصّةً لأنّها غير قابلة للتطبيق على المجتمع المدنيّ الواجب احترام أسبقيّته دائمًا من جانب الدولة. فاقتصرت هذه الأخيرة على التحكّم به من غير زعم إدارته.
فاحترام المجتمع المدنيّ ينطوي على الاعتراف بمُعطى موضوعيّ، إذ إنّ الانقسامات الأكثر عمقًا اليوم في المجتمعات المدنيّة الغربيّة، وخاصّةً الأوروبيّة، هي بين الثقافة العلمانيّة والظاهرة الدينيّة، وليس – كما نظنّ في كثير من الأحيان بشكلٍ خاطئ- بين مؤمني مختلف الأديان. بإنكار هذا المُعطى، أصبحت لاطائفيّة الدولة الصحيحة والضروريّة تستر، تحت فكرة “الحياد”، دعم الدولة لرؤيةٍ للعالم تستند إلى فكرة العلمنة دون الله. لكنّ هذه واحدةٌ فقط من بين الرؤى الثقافيّة المختلفة (الأخلاقيّة “الجوهريّة”) التي تسكن المجتمع التعدّدي. بهذه الطريقة تتبنّى ما يسمّى بالدولة “الحياديّة”، بعيدةً من كونها كذلك، ثقافة خاصّة، هي ثقافة العلمنة، حتّى تصبح هذه الأخيرة من خلال التشريع ثقافةً سائدة تأثّر سلبيًّا في نهاية المطاف تجاه الهوّيّات الأخرى، وخاصّةً الدينيّة منها، الموجودة في المجتمعات المدنيّة فتميل إلى تهميشها، إن لم يكن إلى إبعادها عن المجال العامّ. وحيث أنّها أخذت الدولة مقام المجتمع المدنيّ، تنزلق، وإن بشكلٍ غير متعمَّد، نحو ذلك الموقف المؤسِّس الذي كانت العلمانيّة تنوي رفضه، والذي كان يشغله سابقًا “الدينيّ”. فتحت مظهر حياد القوانين وموضوعيّتها، تحتجب وتنتشر – أقلّه من الناحية العمليّة – ثقافة تتميّز برؤيا علمانيّة شديدة للإنسان وللعالم، تخلو من الانفتاح على التسامي. في مجتمع تعدّدي هي في حدّ ذاتها مشروعة، ولكن فقط كواحدة من بين غيرها. ولكن إذا ما تبنّتها الدولة فإنّها تنتهي حتمًا بتقييد الحريّة الدينيّة.

كيف نتجنّب هذه الحالة الخطيرة؟ من خلال إعادة التفكير في مسألة لاطائفيّة الدولة في إطار فكر متجدِّد حول الحريّة الدينيّة. من الضروريّ ألاّ تفسّر الدولة، ومن دون أن تتبنّى رؤية محدّدة، لاطائفيّتَها كَـ “ابتعاد” وكتحييد مستحيل لرؤى العالم التي تعبِّر عن نفسها في المجتمع المدنيّ. على هذه الدولة أن تفتح مجالات يمكن فيها لكلّ فاعل شخصيّ واجتماعيّ أن يحمل مساهمته في بناء الخير العامّ.

يجدر مع ذلك التساؤل: هل تتمثّل الطريقة الفضلى لمواجهة هذا الوضع الدقيق في المطالبة بالحريّة الدينيّة لمختلف الجماعات، في طلب احترام “خصوصيّات” حساسيّتها الأخلاقيّة الأقلّويّة؟ من شأن هذا الطلب وحده، ولو كان واجبًا، أن يعزِّز في الساحة العامّة الفكرة القائلة إنّ الهويّة الدينيّة ليست سوى محتويات عفا عليها الزمن وأساطير وفولكلور. من الضروريّ للغاية أن ينخرط هذا المطلب العادل ضمن أفق اقتراحات أوسع، يحتوي على هيكليّة منظّمة من العناصر.

تبيِّن هذه الإشارات الجدّ سريعة إلى أيّ مدى لا تزال أهميّة الحريّة الدينيّة معقّدة، بل تدفعنا قبل كلّ شيء إلى الاعتراف كيف أنّ هذه القضيّة تمثِّل، اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى، تأكيدًا قاطعًا حول مدى حضارة مجتمعاتنا التعدّديّة.

فإن لم تصبح الحريّة الدينيّة حريّة محقَّقة موضوعة على رأس سلّم الحقوق الأساسيّة، انهار كلّ السلّم. تبدو الحريّة الدينيّة اليوم كمؤشِّر على تحدٍّ أوسع من ذلك بكثير، هو تحدّي إعداد وممارسة، على المستوى المحلّي والعالميّ، لقواعد جديدة أنثروبولوجيّة واجتماعيّة وكونيّة للتعايش الخاصّ بالمجتمعات المدنيّة في هذه الألفيّة الثالثة. بالطبع لا يمكن لهذه العمليّة أن تعني العودة إلى الماضي، ولكن يجب أن تحدث في احترام لطبيعة المجتمع التعدّديّة. لذلك، وكما سبق وقلت في مناسبات أخرى، ينبغي أن تنطلق من الخير العمليّ المشترك في كوننا معًا. بالاستفادة من مبدأ التواصل، المُدرَك بشكلٍ صحيح، يجب على الأشخاص والجماعات الذين يسكنون المجتمع المدنيّ أن يرووا قصصهم وشهادتهم ويستمعوا إلى قصص وشهادات غيرهم، في توق إلى اعتراف متبادل ومنظّم من أجل خير الجميع.

من أجل مسار مشترك

في هذا الصدد، أودّ فقط أن أشير إلى شرط لا يمكن برأيي إغفاله في هذا المسار الشاقّ حقًّا، لا بل هو غير قابل للتأجيل.

إنّ تعليم “كرامة الإنسان” المتّصل بِـ “بداية الحريّة” التي دُشِّنت إيجابيًّا في مرسوم عام 313 يؤكّدان على أنّ الانتماء إلى الحقّ ممكن فقط بشكل طوعيّ وشخصيّ وعلى أنّ الإكراه الخارجيّ يتعارض وطبيعته. فالآن، بعد اكتساب هذه المعطيات، يجب الاعتراف بأنّ هذا الشرط المزدوج يبقى غالبًا غيرَ ممكن التحقيق على أرض الواقع. لماذا؟ لأنّه لا يتمّ في الوقت نفسه متابعة «ذاك الواجب (وبالتالي ذلك الحقّ) في البحث عن الحقيقة» (كرامة الإنسان 3) الذي ينزع عن كلّ تأكيدٍ صحيح للحريّة الدينيّة الشكَّ في ألا تكون سوى اسمًا آخر للاّتفريقيّة الدينيّة. فهي تفرض نفسها، على الأقلّ من الناحية العمليّة وفي الظرف التاريخيّ الحاليّ الصعب، كرؤية عالميّة محدّدة تميل بشكلٍ متزايد إلى ترجيح هيمنة رؤية معيّنة (واحدة) للعالم على الرؤى الأخرى.

ماذا يمكننا القول حول هذا الموضوع أمام اعتراض أولئك الذين لا يقومون بواجبِ تطلُّب الحقيقة لاعتناقها؟ يجب أوّلاً التأكيد من جديد على أنّ هذا الاعتراض يبقى على أيّ حال خيارَ رؤيةٍ للعالم له حقّ المواطنة في مجتمع تعدّدي، ولكن لا يمكن الأخذ به خلسةً كأساسٍ للاطائفيّة الدولة.

ومع ذلك تبقى أكثر حسمًا منه الدعوةُ الحرّة الموجّهة إليهم للتفكير بمضمون هذا الواجب.

لقد تمكّن القديس أغسطينوس (المولود في الجزائر عام 354)، تلك العبقريّة المعبِّرة عن القلق الإنسانيّ، من كشف هذا السرَّ، كما يذكِّرنا البابا بنديكتوس السادس عشر: «لسنا نحن مَن نملك الحقيقة بعد البحث عنها، بل الحقيقة هي التي تبحث عنا وتمتلكنا» . بهذا المعنى، إنّها الحقيقة نفسها، من خلال ملء معنى العلاقات وظروف الحياة التي بطلُها كلُّ إنسان، هي التي تطرح نفسها كـ “حالة جديّة” للوجود الإنسانيّ والتعايش البشريّ. تبرز الحقيقة التي تبحث عنّا في توقنا الذي لا يمكن كبته والذي يميّز الإنسان: «بمَ يرغب الإنسان سوى الحقيقة؟» 7. ويحترم هذا التوق حريّة الجميع، حتّى حريّة من يعتبر نفسه لاأدريًّا، لامباليًا أو ملحدًا. وإلا لكانت الحريّة الدينيّة كلمة جوفاء.

Mon, 01/14/2013 – 09:30

Print Friendly
This entry was posted in Articles and tagged , , . Bookmark the permalink.

Comments are closed.