La Trinité dans la pensée orthodoxe arabe contemporaine

الثالوث في الفكر الأرثوذكسيّ العربيّ المعاصر

        لم يدوّن اللاهوتيّون الأرثوذكس العرب المعاصرون أيّ مؤلَّف مختصّ بالحديث عن الثالوث الأقدس أو التوحيد، ما خلا بعض الأمالي التقليديّة التي تعرض لتاريخ العقيدة الثالوثيّة وتثبيتها في المجامع المسكونيّة السبعة، ولا سيّما المجمعان المسكونيّان الأوّلان، وفي كتابات آباء الكنيسة بقسمَيها الشرقيّ والغربيّ. غير أنّ بعض اللاهوتيّين المعاصرين تناولوا، في معرض حديثهم عن الإسلام والعلاقة مع المسلمين، مسألة الإيمان الثالوثيّ وعلاقته بالتوحيد. وسنقصر بحثنا هذا على الشخصيّتين اللاهوتيّتين الأبرز، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق أغناطيوس الرابع هزيم ، والمطران جورج خضر.

يرى البطريرك أغناطيوس الرابع أنّ مهمّة المسيحيّين العرب الرئيسيّة تكمن في ترجمة المسيحيّة للعالم العربيّ، مسيحيّة تخاطب العقل العربيّ والثقافة العربيّة. وهو لا يقصد ترجمة النصوص إلى اللغة العربيّة، فهذا قد تمّ إلى حدّ ما، بل يقصد بهذه الدعوة “أن نتوصّل إلى أن تكون هناك مسيحيّة المخاطَب فيها هو شخص عربيّ”. فالمسيحيّة، برأيه، لا تزال متقوقعة فكريًّا، “فلا يزال المسيحيّ يخاطب المسيحيّ كما لو كان يعيش في وقت غابر من التاريخ”. فإذا كان هذا شأن المسيحيّ مع المسيحيّ، فكم بالحري المسيحيّ مع غير المسيحيّ وبخاصّة المسلم؟ ولهذا، يدعو المسيحيّين إلى الكفّ عن مخاصمة المسلمين، والبدء بمخاطبتهم، فيقول بهذا الصدد: “فكأنّنا خُلقنا لا لكي يخاطب الواحد منّا الآخر، بل لكي يخاصمه. ولم نرَ بُعد رسالتنا في هذه المنطقة التي فيها تمّ الإعلان عن المسيحيّة والإسلام، وأنّ من واجبنا أن نتمكّن من مخاطبة المسلم”[1]. المسألة عنده، إذًا، ليست مسألة ترجمة نصوص وحسب، بل هي مسألة إيضاح المسيحيّة بلغة عربيّة مبينة تصل إلى عقل العربيّ وقلبه.

انطلاقًا من رؤيته هذه لمهمّة المسيحيّين العرب تجاه مسلمي بلادهم، لا يتغاضى البطريرك هزيم، من موقع العالِم، عن ذكر الجانب السلبيّ في تاريخ العلاقات المسيحيّة الإسلاميّة. فبعد أن يعدّد المسائل الجداليّة بين المسلمين والمسيحيّين قديمًا، وأهمّها مسألة أهل الذمّة “التي تؤمّن حماية، لكنّها تهميشيّة”[2]، ومسألة اعتبار القدّيس يوحنّا الدمشقيّ وأتباعه الإسلام هرطقة يهوديّة-مسيحيّة (والبطريرك يرفض هذا الرأي إذ يتحدّث عن “الوحي القرآنيّ”)، ومسألة اعتبار الإسلام أنّ مجمع نيقية حرّف الإنجيل… هذه المسائل، برأيه، لم تمنع “تفاعل المسيحيّين والمسلمين على الصعيد الشعبيّ، وعرفوا وعيًا، يكاد أن يكون واحدًا، لتعالي الله. وكانت عندهم الثقة ذاتها بالعناية الإلهيّة والاتّضاع وإسلام النفس لله”[3].

من هنا، يؤمن البطريرك بأنّ المسلمين والمسيحيّين يعبدون إلهًا واحدًا، وأنّ ما يجمعهم هو هذا الإله الواحد الذي كشف نفسه في التاريخ في المسيحيّة والإسلام. ففي خطابه أمام القمّة الإسلاميّة في الطائف (29 كانون الثاني – يناير 1981) يؤكّد إيمان المسيحيّين والمسلمين بالإله الواحد، فهو يفتتح خطابه بالقول: “فالمسيحيّون المشرقيّون مثلكم ينشدون وجه الله (…) إنّنا، مثلكم، توّاقون إلى خالق السموات والأرض، وملتمسون الرضى الإلهيّ في كلّ زمان”. ثمّ لا يتوانى، حين يذكر القدس، عن التذكير بأنّ عهد المسيحيّين والمسلمين مع هذه الحاضرة عهد طويل يعود إلى زمن نشوء هاتين الديانتين، ويتابع: “وفيها يرفع العبادة إلى الله كلّ عبّاد الإله الواحد الأحد”[4]. ولا ينسى البطريرك أن يؤكّد في المقام عينه أنّ القدس ولبنان هما المكانان المدعوان إلى رفع العبادة لله الواحد. فيقول في مقابلة صحفيّة: “إنّ الديانات مدعوّة في الأصل إلى جمع طاقات البشر لتتّجه نحو التقديس والتنقية بالنعمة الإلهيّة (…) في القدس نواة هامّة للعبادة المتنوّعة وللوجود المتنوّع، وفي لبنان مساحة واسعة عريقة وعميقة لممارسة هذا التنوّع (…) في القدس نلتمس وجه الله، وفي لبنان نلتمسه أيضًا”[5].

ويلفت البطريرك هزيم، على المستوى الروحيّ، التشابه بين الهدوئيّة المسيحيّة والذِّكر الإسلاميّ، حتّى في استعمال السبحة عند تلاوة الأسماء الإلهيّة[6]، كما يلفته الكثير من الأمور الروحيّة المشتركة. ويلاحظ البطريرك أنّ التأثير متبادل بين المسلمين والمسيحيّين، على الصعيد اللاهوتي، فيؤكّد أنّهم “عرفوا وعيًا، يكاد أن يكون واحدًا، لتعالي الله. وكانت عندهم الثقة ذاتها بالعناية الإلهيّة والاتّضاع وإسلام النفس لله”[7]. إذًا، الإسلام والمسيحيّة، بالنسبة إليه، هما مكانان لتجلّي الله وتقديس الإنسان الذي هو، كما ورد في الكتاب المقدّس وفي القرآن الكريم، “خليفة الله أو صورته”.

في الواقع، يدعو البطريرك هزيم إلى اكتشاف حضور المسيح وفعل الروح القدس “حيث يبدو غائبًا أو حتّى مرفوضًا”. ويرى أنّ “صورة المسيح تتحرّر تدريجيًّا من المسيحيّة المنغلقة التي واجهت الإسلام بالسلاح واضطهدت اليهوديّة. هناك لقاء بين وجه المسيح كما يظهر من خلال صورة باتت أطهر وبعض المثقّفين من المسلمين واليهود”[8]. ومع تأكيده على حضور المسيح في الأديان غير المسيحيّة، يشدّد البطريرك على توافق المسيحيّين والمسلمين على فكرة تنزيه الله وتعاليه. وقد تكون تلك “التنزيهيّة الإلهيّة” مكان اللقاء الأمثل بين مؤمني الديانتين، ذلك أنّ الله يبقى سرًّا يستحيل الغوص فيه وإدراكه، والاقتراب منه لا يتحقّق إلاّ بالعبادات والتواضع.

ويحذّر البطريرك هزيم في هذا السياق من الوقوع في أصناف شتّى من “النسبويّة والتلفيقيّة”[9] التي يمكن أن ينزلق إليها بعض اللاهوتيّين ممّن ينفون التمايزات التي تختصّ بها كلّ ديانة من الديانات العالميّة، فيحكمون على ظاهر الأمور من دون الغوص في معانيها ومقاصدها. وإن تقاطعت أو التقت بعض الممارسات الدينيّة، هنا وثمّة، فلا يجوز إزالة الاختلافات العرضيّة في بعض الأحيان، أو الجوهريّة في أحيان أخرى، بين الديانات. وعلى سبيل المثال، يقول البطريرك إنّ تطابق التقنيّات الدينيّة لا يعني تطابقًا في النتائج، فالنيرفانا البوذيّة تختلف اختلافًا كبيرًا عن التألّه في المسيحيّة، إذ تؤدّي الأولى إلى تفكيك الفرد “المركّب الذي لا ديمومة له”، بينما يؤدّي المفهوم المسيحيّ إلى “الوحدة الأكثر كمالاً مع الإله المثلّث الأقانيم وبسبب من ثالوثيّته، تلك الوحدة التي لا تزيل الخصوصيّة الشخصيّة بل تجعلها متوهّجة وشفّافة”[10].

لربّما أكثر ما يعبّر عن فكر البطريرك أغناطيوس الرابع إعلانه: “قلنا بالتنوّع والانفتاح وهذا من صلب عقيدتنا”. فهذا القول يرينا مدى الحرّيّة التي يدعو إليها البطريرك في التعامل الفكريّ مع قضايا اللاهوت، فالعقيدة من “عقد” أي “ربط” و”شدّ”، والعقيدة هي “ما عُقد عليه القلب والضمير وما يدين به الإنسان”. من هنا، يجمع البطريرك بين نقيضين: العقيدة والانفتاح، ليجعلهما متكاملين من دون تصارع. هكذا، يكون شعاره الفكريّ وشعار الكنيسة الأرثوذكسيّة العربيّة تاليًا: الانفتاح من دون المساومة على الإيمان.

 يعتبر المطران جورج خضر أنّ تجسّد كلمة الله بيسوع المسيح، وصيرورة ابن الله إنسانًا هما أعظم من أن يتكلّم الله بكلام، فيقول مقارنًا الإعلان المسيحيّ الذي تمّ بتجسّد ابن الله والإعلان اليهوديّ الذي تلقّاه موسى والإعلان الإسلاميّ الذي تمّ بتنزيل القرآن: “إزاء التوحيد الإبرهيميّ–الموسويّ قالت المسيحيّة إنّ الإله الذي يتكلّم كلامًا إنّما يكتفي ببعث الرسل لكنّه لا يجيء بكيانه كلّه. فالكلمات مهما سمت تبقى بين الله والإنسان وسطًا ووسيطًا. إنّها ليست هي الإله. والكلمات مهما عظمت إنّما هي شيء من لغة الإنسان. أجل نتلقّاها لأنّها مرسلة إلينا ولكن أنّى له أن يرسلها إلينا إلاّ إذا كانت منّا. كلمات الله إلينا بعضٌ من حضارتنا. فيها جانب بشريّ. ولا تستطيع إدراكها إلاّ إذا قرأتها مرتبطةً بنزولها في التاريخ. إنّها تاليًا من التاريخ ولو أوحاها من كان فوق الزمان. ولكن لا قِبل لك بها ما لم تبعثها من بين كلماتك. لها ظروف قراءة أو أسباب هي من أرض محدّدة وفي أوقات محدّدة. كلام الله لا سبيل إليه إلاّ بالقاموس”[11]. صحيح أنّ خضر، هنا، يذكر فقط التوحيد الموسويّ ولا يشير إلى التوحيد القرآنيّ، لكنّنا نستطيع بشكل غير مباشر أن نفهم كلامه هذا على أنّه يطال أيضًا التنزيل القرآنيّ الذي هو بدوره إعلان مقول.

من هنا، يرى خضر أنّ سكنى كلمة الله في جسد أمرٌ ينبغي ألاّ يثير الاستغراب ويشدّد على أنّ هذا أعظم من أن يسكن الله في كتاب، فيقول: “غير أنّ الإنسان يطلب الله نفسه، لا شيء منه. يريده بلا وسيط إلاّ إذا كانت طبيعة الإنسان المكان الذي تتجلّى فيه الطبيعة الإلهيّة”[12]. إذا طبّقنا هذه المقولة على القرآن، نستطيع القول إنّ الكاتب يرى أنّ القرآن، ولو أتى من الله، إلاّ أنّ الطبيعة الإنسانيّة تبقى شديدة الأهمّيّة كمكانٍ لتجلّي الله… مع هذا نلاحظ أنّ خضر يدافع عن تجسّد الله وسكناه في إنسان، فيفرّق بين الكلمة والكلمات جاعلاً الكلمة، أي ابن الله، منبعًا لكلّ الكلمات التي قيلت قبله وبعده. فيقول: “إنّ القائلين بأنّ كلام الله غير مخلوق كانوا على حقّ. السؤال المطروح هو معرفة ما إذا كان عند الله كلام أو كلمة واحد تنحدر من الكلمات، كلّ الكلمات التي كانت قبله أو جاءت بعده؛ وهل هذه الكلمة المعيار الوحيد لحقيقة الكلمات. بعد هذا ليس من صعوبة أن يسكن الكلمة جسدًا، أن يظهر بشرًا، لماذا يعقل أن يلبس الله لباس كلمات في كتاب ولا يعقل أن يلبس جسدًا؟ أليست الألفاظ واللغة والكتب جسدًا؟ أن نقول إنّ كلام الله في هذا الكتاب أو ذاك غير مخلوق وأن نقول إنّ الكلمة الذي حلّ فينا غير مخلوق قولان في معقوليّة واحدة”[13].

ثمّ يفنّد خضر الآيات القرآنيّة التي تدين بشدّة الإيمان النصرانيّ بالثالوث[14]، ويؤكّد أنّ الثالوث النصرانيّ كما هو مقدّم في القرآن قد كانت بعض الفرق المسيحيّة الهامشيّة تؤمن به. ولكن من المسلّم به، أيضًا، أنّ ما هذا الثالوث كما هو محكي عنه في القرآن لا يعبّر عن إيمان الكنيسة بشقّيها الكبيرين: الأرثوذكسيّ والكاثوليكيّ. ولا يتوانى خضر عن تقديم أمثلة ليبعد تهمة الشرك عن الإيمان الأرثوذكسيّ، ويذهب إلى القول إنّه يوافق القرآن في رفضه للثالوث كما هو معروض فيه ومؤكّدًا، في آنٍ، أن ليس هذا هو الثالوث الذي يؤمن به المسيحيّون. يقول خضر: “إنّ أكثر ممّا يبدو في القرآن ضدّ الثالوث نوافق نحن عليه، لأنّه موجّه ضدّ بدع نصرانيّة نعرفها، ولا يمسّ العقيدة المسيحيّة التي تقول بها الكنائس. فمن قال مثلاً: إننا نربط فكرة الولد بوجود صاحبة والمسيح “بلا أمّ من جهة أبيه وبلا أب من جهة أمّه”[15]. في آيات كثيرة ينفي القرآن أن يتّخذ الرحمن ولدًا، ونحن معه في ذلك لأنّ اتّخاذ مخلوق لجعله ابن الله هو بدعة التبنّي التي كفّرناها. كذلك تنطرح مسألة مَن هم الذين قصدهم القرآن في سورة المائدة لمّا قال: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} (المَائِدَة 5، 73). أنّى وردت هذه العبارة عندنا وما مدلولها في أيّة كنيسة من الكنائس. الإسلام يجاهد بدعًا لسنا معنيّين فيها”[16].

وينفي المطران خضر عن الثالوث المسيحيّ تهمة الشرك، ويقول إنّ المقصود بالشرك في القرآن إنّما هو الثالوث الوثنيّ لا المسيحيّ، فيقول إنّ العرب “كانوا يؤلّهون القمر ويزوّجونه الشمس فتنتج الزهرة من هذه المجانسة. إنّها العقيدة الوثنيّة المعروفة بالثالوث الكوكبيّ، هذا هو الشرك الذي على خلفيّته يفهم العربي أنّ مقولة ابن الله مقولة جنسيّة: {أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ[17] وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ} (الأَنْعَام 6، 101). والشرك في أنّ العرب القدامى جعلوا لله بنات (النَّحْل 16، 57)، والقرآن يرفض هذا النوع من البنوّة”[18]. صحيح أنّ القرآن يتّهم الوثنيّين بالشرك، ولكنّ تهمة الشرك تطال أيضًا النصارى الذين يودّ المطران خضر أن يتمايز وكنيسته عنهم، فالقرآن يقول: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (التَّوْبَة 9، 31).

ويطلب خضر من المسلمين أن يناقشوا المسيحيّين بعقيدتهم الثالوثيّة كما هي عندهم في وحدانيّتها المتجلّية في نصوص اللاهوتيّة والعباديّة، أي في مصادرها وليس في مصادر إسلاميّة أو كما هي واردة في القرآن. فالأمانة العلميّة تتطلّب من الباحث أن ينهل المعرفة من مصادرها فيستوعبها ثمّ يقبلها أو يعارضها مفنّدًا، لا أن يسقط عليها تصوّراته وآرائه المسبقة.

تبقى قضيّة تجسّد الكلمة، ابن الله، هي القضيّة الأصعب للقبول عند المسلمين. لذا يجهد المطران خضر لكي يظهر أنّ عقيدة التجسّد لا تتنافى وإيمان المسيحيّين بوحدانيّة الله، وتاليًا انتفاء مقولة العدد عنه، فيقول: “فمَن سمّيناه الابن هو الكلمة في أزليّته فإنّه صادر عن أبيه بحيث يواجه ولا يستقلّ عنه ولا ينفصل ولا تجوز عليهما مقولة العدد فنحن لسنا واقعين في تثليث عددي”[19]. ثمّ يقارن بين القرآن الذي هو عند المسلمين كلام الله غير المخلوق وبين المسيح الذي هو عند المسيحيّين كلمة الله غير المخلوق، فيتابع قائلاً في المقالة ذاتها: “أليس التجسّد شبيهًا بالقرآن “لوحًا محفوظًا”، كلامًا غير مخلوق اتّخذ شكل كلمات قابلة للإعراب ومتّصلة بتاريخ العرب وحضارتهم ولها أسباب نزول متعلّقة بحياة الرسول، ومنها بعض كلمات أعجميّة متّصلة بحضارة الفرس. نحن نقول عن المسيح ما يقوله المسلمون عن القرآن، المسيح هو قرآننا”. ويوضح خضر في هذا الصدد أنّه “لو اتّخذنا بشرًا اسمه عيسى وأقمناه في الألوهيّة لكنّا مشركين ولكنّا نتّخذ كلمة الله، “وإلهًا كان الكلمة” (يوحنّا 1، 1) ونقيمه في البشر “والكلمة صار جسدًا” (يوحنّا 1، 14)”. هذا التوضيح ضروريّ لكي يصحّح المسلمون نظرتهم إلى الأحداث التاريخيّة وتسلسلها في ما يخصّ حياة يسوع المسيح. فالمسلمون يعتقدون، مستندين في ذلك على الآيتين القرآنيتين: {وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا. لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا} (مَرْيَم 19، 88-89) و{مَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا} (مَرْيَم 19، 92) وغيرهما من الآيات، أنّ المسيحيّين قد رفعوا ولدًا إلى مرتبة الألوهيّة. وهذا خطأ، لأنّ المسيحيّين يؤمنون أنّ كلمة الله الذي هو إله منذ الأزل، قد صار إنسانًا في التاريخ دون أن يتخلّى عن ألوهيّته.

لا بدّ من القول، ختامًا، بأنّ اللقاء الإسلاميّ-المسيحيّ يأتي من الحياة إلى الفكر، أي أنّ الحوار الحقيقيّ هو حوار الحياة، هذا ما وعاه المطران جورج خضر منذ البداية، فأقام عدّة حوارات مع نخبة من المسلمين، تناولت مواضيع لاهوتيّة لتوضيح فكر الكنيسة الأرثوذكسيّة في ما يخصّ الأديان الأخرى ومكانها في تدبير الله للبشر، ومواضيع تبحث في قضايا السلطة والسياسة والثقافة والفكر الدينيّ، وبخاصّة وضع المسيحيّين في حال قيام جمهوريّة إسلاميّة. لا بدّ، أخيرًا، من القول بأنّ هذه النظرة، التي صاغها خضر، المتجذّرة في فكر الآباء، هي لنا بمثابة طريق نسلكها مع مواطنينا المسلمين حتّى يعطي اللقاء ثماره الفعليّة.

 الأب الدكتور جورج مسّوح، مدير مركز الدراسات المسيحيّة-الإسلاميّة، جامعة البلمند

محاضرة ألقاها في معهد الدراسات الإسلاميّة والمسيحيّة IEIC في كليّة العلوم الدينيّة FSR- جامعة القدّيس يوسف USJ-بيروت، بتاريخ 15/12/2012


[1]           أغناطيوس الرابع، مواقف وأقوال، جامعة البلمند، 2001، ص 103.

[2]           المرجع السابق، ص 29 و268.

[3]           المرجع السابق، ص 29.

[4]           المرجع السابق، ص 124.

[5]           صحيفة السفير، 6 شباط-فبراير 1981. أعيد نشر المقابلة في: في المسألة اللبنانيّة والمصير المسيحيّ، منشورات مركز الدراسات الأرثوذكسيّ الأنطاكيّ، بيروت، 1989، ص 39-41.

[6]           مواقف وأقوال، ص 268.

[7]           المرجع السابق.

[8]           في محاضرة ألقاها في السوربون (30 أيّار-مايو 1983) عنوانها المسيحيّة ولقاء الأديان والثقافات ، منشورة في من خبرة أنطاكية إلى دعوتها، نشر خاص، ص 24.

[9]           المرجع السابق.

[10]         المرجع السابق.

[11]          في مقالة عنوانها: الكلمة والجسد، صحيفة النهار، 29 آذار (مارس) 1987.

[12]          في الكلمة والجسد.

[13]          المرجع السابق.

[14]          ثمّة ثالوثات عديدة في القرآن، وهي مختلفة جذريًّا بعضها عن بعض. فأحدها بحسب إحدى الآيات مؤلّف من الله والمسيح وأمّه: {وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ} (المَائِدًة 5، 116). وفي مكان آخر يبدو كأنّ المسيحيّة، بحسب القرآن، تؤمن بثلاثة آلهة وليس بإله واحد: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انْتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً} (النِّسَاء 4، 171). لا تتعرّف المسيحيّة بقسميها الأرثوذكسيّ والكاثوليكيّ على نفسها في هاتين الآيتين، فهي لا تعبد مريم كإلهة ولا تؤمن بثلاثة آلهة بل بإله واحد. من هنا، أهمّيّة التعرّف المتبادل على الإيمانين المسيحيّ والإسلاميّ.

[15]          عبارة مستلَّة من النصوص المستعملة في العبادة المسيحيّة الأرثوذكسيّة.

[16]          في مقالة عنوانها هل من حوار إسلاميّ-مسيحيّ؟، صحيفة النهار، 11 كانون الثاني-يناير 1992.

[17]          الحدير بالذكر أنّ المسيحيّين العرب لم يستعملوا أبدًا لفظ “ولد” للإشارة إلى المسيح، إنّما استعملوا بصورة دائمة تعبير “ابن”، الذي نجده مرّة واحدة في القرآن في سورة التّوبة، الآية 30.

[18]          في هل من حوار مسيحيّ-إسلامي؟.

[19]          المرجع السابق.

Print Friendly
This entry was posted in Articles, Conferences and tagged , , , , . Bookmark the permalink.

Comments are closed.