الحوار ما بين أتباع الأديان، إمكانيّة لصنع السلام

الحوار ما بين أتباع الأديان، إمكانيّة لصنع السلام

د. رولا تلحوق

بعد الشكر لنيافة الكاردينال توران لاختياره لي للمشاركة في هذه القمّة، أشكر أيضًا السيد أبو ذرّ ابراهيمي تركمان وآية الله مصطفى دماد لدعوتهما واستقبالهما وكلّ من نظّم ورتّب لهذا اللقاء

منذ سنوات عدّة والمسؤولون الدينيون من مختلف الديانات الكبرى في العالم يجتهدون في لقاءات بعضها محليّة وبعضها عالميّة للتكلّم بأمور الحوار، من أجل بناء عالم أفضل يقوم على مشترك ديني وقيم مشتركة بشكلٍ عام، على أمور بإمكانها أن تعطي المؤمنين بهذه الديانات تأسيسًا لعيش مشترك لا يكون الدين فيه عائقًا للّقاء بل محفّزًا

ولكنّنا نشهد في الوقت نفسه تصاعد الأصوليّات الدينيّة في عدّة بقاع من الأرض، بحيث يتساءل البعض لماذا كلّ هذه الجهود والنتيجة ضئيلة أم تكاد تكون غير موجودة ؟ حتى أصدر بعض لاهوتيي الحوار مؤلّفات عن إمكانيّة الحوار في أجواء التعصّب الدينيّ، وهدف الحوار في هكذا أجواء، وحتى ضرورته وفائدته

ولكن كلّنا نعرف بأنّ النور لا يشعّ إلا في الظلمات، لذلك لأنّ الوضع صعب، يجب علينا متابعة اللقاءات على أمل أن نرسي ثقافة اللّقاء التي تدحض الثقافات المتفشيّة حاليًا. ولأنّ ثقافة الحوار تنفي الخوف من الآخر المختلف، ولأنّ ثقافة اللّقاء هي ثقافة الوجوه لا الغياب، نحن نرى الله في وجه الآخر كلّ آخر

ولكن المشكلة ليست في المؤمنين الذين هم في أغلب الأحيان يبحثون عن رزقهم، بل تكمن المشكلة في تزاوج الدين مع السلطات المدنيّة، حيث يغلب مفهوم السلطة بمعنى التسلّط والعبث بالخيرات العامة، على مفهوم الروحانيّة التي تجمع. كلّنا يدرك ما أهميّة أن يعطي الدين معنى إلهيًّا للسلطة المدنيّة فيقدّسها ويرفعها فوق كلّ اعتبار حتى لا يعود ممكنًا للأفراد أن يفكّروا في صلاحيتها أم جودتها أو حتى جودة من يمثّلها أمام الشعب. كذلك الأمر عندما تعطي هذه السلطة المدنيّة لدين معيّن كلّ الصلاحيات فلا يعود للقوانين المدنيّة من مكان. فبذلك تضيق مساحة التمييز عند المؤمنين بحيث أنّ أمورهم كلّها مدبّرة من قِبَل آخرين. وهنا يكمن الخطر الأكبر : لماذا ؟ لأنّ السلطتين المدنيّة والدينيّة سوف تعطيان أنفسهما كلّ الحقوق وسوف تتبادل المسؤوليّات بحيث يصبح الدين نفسه محكومًا ومشدودًا نحو منظومة السلطة ونحو حماية الجماعة التي يمثّلها وليس العكس. وهذه من أهمّ نظريّات عالم الإجتماع اميل دركهيم (Emile Durkheim)، بحيث “تكرّم” الجماعة نفسها وليس الله ! فيصبح الدين يمثّلها وليست هي المتديّنة. فينحاز الدين إلى منظومة تطبيقات تقتصر على المنع والنهي والسماح، وتغيب الروحانية والتمييز والتقوى

ولكن هذا الأمر ليس بالبساطة التي نعرضها هنا، فلكي تصبح هذه المنظومة ذات تأثير شعبوي عليها أن تتركّب عبر الزمن، والخطر يكمن في أنّنا لا نعرف بالحقيقة متى وأين تتحضّر هذه الأمور لكنّا تداركنا خطرها

وبرأيي المتواضع، هناك أمران علينا تطويرهما والعمل على ترسيخهما في جماعاتنا

أوّلاً: التربية على التمييز وطلب العلم في الدين وليس فقط التطبيق. فالتربية على التمييز تنمّي جيلاً من المؤمنين الملتزمين الذي اختاروا أن يلتزموا وأن يتعمّقوا من دون إكراه أو دوافع خارجيّة. وهي تساعد بشكل كبير على تمييز التعاليم الصحيحة من تلك التي تشكو من أي ريب بالعودة إلى المراجع المتأصّلة وليست تلك المستحدثة

ثانيًا : العمل على توزيع منطقي لخيرات هذه الدنيا، بحيث لا يكون هناك من جماعات تعيش تحت مستوى الفقر. فإن أعطي المرء حاجاته الأساسيّة من تعلّم وطبابة والبعض من الرفاهية يصبح أكثر مناعة ضدّ الأفكار السلبيّة. ولكن كي يستطيع المسؤولون الدينيون أن يعملوا من أجل عالم أكثر عدلاً يجب عليهم أن يتحضّروا للاضطهاد من قبل السلطات الحاكمة فعلاً، السلطات المدنيّة والإقتصاديّة والماليّة. فالأمر ليس بالبساطة وكلّنا نعرف ذلك، ولكن إن كان من مخارج أخرى حبّذا لو فكّرنا بها سويّة

فالتربية والتعليم بشكل عام، وفي الدين بشكل خاص، يساعدان على إيجاد حلول من أجل السلام. فهل عملنا على أسس هذه التربية ؟ هل عملنا بشكل تأسيسيّ أي من خلال خلق مؤسسّات مشتركة وخلايا متابعة لهكذا مشاريع ؟

التنظير مهمّ جدًا ويكاد يكون ضروريًّا، ولكن حان الوقت من أجل الشروع بأعمال تطبيقيّة، فالكلام الجميل في الدين مهمّ، والدين هو بجوهره جمال، ولكن علينا أن ندخل إلى واقع الحياة البشعة، حتى نزرع إمكانيّات سلام في عالم يستعمل الدين كأداة للحرب ولترسيخ العصبيّات الثقافيّة والإنتماءات المختلفة

Print Friendly
This entry was posted in Articles, Events, Meetings and tagged . Bookmark the permalink.

Comments are closed.