Michel Hayek

 

ميشال حايك أبكيتنا لأنّنا لسنا مثلك

 

‏لا أجرؤ على محاولة الدخول الى عمق وشمولية شخصية وفكر الأب ميشال الحايك، فالآمر شبيه بمحاولة احتواء البحر في صفدة.

‏لكني اود التوقف عند بعض ما استوقفني في هذا الرجل، ‏كاهن المسيح، الذي شكل ظاهرة في حياة الكنيسة المعاصرة، ‏فأرجو ان أرفع بعض الحجاب عن هذا الانسان الذي آثر حياة الخفاء، ‏فأفشل بكل بساطة محاولات العابثين وثقل الأيام السوداء وقساوة الغربة عن طمس إبداعه الفريد وخنق نبويته.

‏تلتقيه فيشدك بدينامية الانجذاب اليه نحو المسيح الثائر ” الذي لم يذرف نقطة دم سوى دمه “، ‏إنجذابًا ولد فيه ثورة. لكنها ثورة على الذات بكل أبعادها، ‏على ذاته المتغربة عن ذاته، وعلى ذاته الكنسية التي هرمت،  ‏وعلى ذاته المجتمعية التي تفككت، ‏فتجده يعبّر عن ذاتنا التي نئن الى أن نجدها. هو دائمًا في حالة قلق، ‏قلقه فريد فهو غير متأت من خوف ما، إنه القلق الوجداني الذي لا يرضى ان يقبع في مستوى ” الممكن” بل يتوسل ” المستحيل” الذي أصبح ممكنًا. يحمل في وجدانه الانسانية برمتها وبكل تاريخها والكنيسة الجامعة ووطنه لبنان “المشروع في طور التحقيق المستمر”. فأمامه تنزعج من لامبالاتك وبرودتك وثقافة التسطيح، ‏لكنه يهدئك بهذا السلام الطافح على وجهه، الطالع من نظرته الدافئة. لا يضحك ولا يمازح ولا يهادن ولا يرتاح، ‏لكنه يحسن الابتسام وهو يحدث. إنه في حالة بحث دائم، فالبحث عنده ليس عملا ومجهودًا، ‏انه حياة، ‏يبحث عن الله، يبحث عن الانسان، يبحث عن الله في الانسان، يبحث عن الذات.

‏رغم انه قضى القسط الأكبر من عمره في بلاد الغرب لرغبة منه او غصبًا عنه، يفاجئك بأصالته المشرقية الانطاكية السريانية الرافضة ظلاميّة هذا المشرق، ‏بعد ان فقد ” الشرك الثقافيّ”. أعاد المارونية الى اصالتها الكنسية الروحية وتجذرها في الارض والانسان، ‏فحررها من استغلاليّة تجار الهيكل، ‏فتلمس معه خطورة التفريط وعدمية التطرف.

‏يأسرك من خلال غوصه في سر الله المتجلي في لاهوته، ‏في سجدته وفي ركوعه وفي دموعه وفي شعره وفي أناشيده، ‏وقد جسّد كل هذا بانخراطه الواقعي في مجتمعه وقضاياه وخدمة إنسانه ونقده النبوي له بانسجام ندر وجوده، ‏فيشعرك ببشاعة القطيعة بين ما نؤمن به وما نعيشه، ‏ويظهر لك جمال ان تكون واحدا في معتقداتك، ‏وفي سلوكك بصلابة وحنان. عشق الكنيسة الى حد بذل الذات، ‏ولم يكن يرضى لها إلا ان تكون عروسة المسيح الملاصقة له، ‏المتحدة فيه، ‏ورفض ان تكون مؤسسة قائمة بذاتها بحالة طلاق معه. أحب المسلمين، ‏حب المسيح لهم فدعاهم، ‏أن يستقبلوه آتيًا نحوهم، ‏هو الذي طالما انتظروه وانتظرهم منذ إسماعيل. فالمسيح ليس ملكًا للمسيحيين او امتيازًا لهم، ‏إنه مخلص الجميع. فأسقط أزمنة من حواجز العنجهية والاستكبار والذمية والامتياز والصراعات التي نشأت بين أبناء ابرهيم أبي ‏المؤمنين. فنذر نفسه وحياته من أجل تلاقي البشرية بالحب والحق والحرية.

‏ألف الكلمة والأحرف فكان يراها ذات الوان ووزن ونغم وصورة ومعنى، ‏وانه لمن العار على البشر ان يحولوها الى نظريات وسلاح ايديولوجي.

‏أبونا، ‏آخر صورة لك مطبوعة في ذاكرتي وأنت ممسك مسبحة العذراء تتمتم صلاة وتذرف الدموع.

‏عنما رحلت أبكيتنا، ‏أبكيتنا لأنك أحببتنا ولأننا نحبك، ‏لأننا سنفتقدك. لأننا سنشتاق اليك. لأننا سنحتاج اليك، ‏لكنك بالأكثر أبكيتنا لأننا لسنا مثلك! ألآن انت حيث لا وجع ولا دموع، ‏أنت مع من قضيت العمر تطلب وجهه الكريم ويلتهف قلبك للقياه.

‏أذكرنا حيث أنت لتتحوّل دموع أهل الأرض الى معمودية أبناء الله.

الخوري جان مارون الحلو

النهار  ‏الاحد 18 ‏ ايلول 2005

Print Friendly

Comments are closed.