Mouhammad Mahdi Chamseddine

لبنان الكيان النهائي ووطن التنوع

?????? ???? ???? ??? ?????

 

الامام الشيخ محمد مهدى شمس الدين علم من أعلام الحوار في لبنان، ورائد من رواده في العقود الثلاثة الماضية، وركن ركين لتلك الصفوه الحارسه لصيغة العيش المشترك، والراعية لميزات لبنان، والساهرة للحفاظ عليها في عصر الاضطراب الكبير والنزاعات المتنقلة.

‏لقد كان الامام شمس الدين احد الحكماء القلائل الذين جهدوا بلا كلل لاخراج الصيغة اللبنانة من ازمتها يوم اشتدت عليها صنوف المداخلات وعملت فيها تخريبًا. فكان بحسّه الانساني الشامل والجامع وحرصه الوطني مشغولا بمعالجة مشكلة الانقسام حول الهوية اللبنانية وما كانت تعنيه من تهديد للكيان اللبناني في جوهره ومعناه. وكان له الفضل الكبير في العمل كلى توكد الخيار الاسلامي إلمسيحي اللبناني، أ‏ي خيار الولاء والمشاركة والوحدة في ” وطن نهائي لجميع ابنائه” وهي عبارة صارت عنوانًا اساسًا للوفاء الوطني في ما بعد ودخلت في مقدمة الدستور الذي اقرّ عام 1989 ‏.

‏هذا ” اللبنان” النهائي ككيان سامي ودستوري، هو ايضا اجماع بين اللبنانيين لا يلغي تنوعهم الثقافي والروحي بل يغتني بالتفاعل وألتلاقح على غير صعيد، حتى بات الكثيرون يردّدون أن في كلّ مسيحي لبناي شيئًا من الاسلام وان في كلّ مسلم لبناني شيئا من ألمسيحية.

‏غير ان حوار الحياة القائم بين اللبنانيين لا يخفي معاناة الكثيرين منهم من سوء الفهم المتبادل احيانًا، أو من سوء التدبير لهذه الثروة الوطنية، فكان ” نزاعهم السياسي المحض في جوهره كما يقول الامام يؤدي الى خلخلة عيشهم المشترك، وهذا ما يطرح عليهم من جديد مسأله اجتماعهم السياسي الذي يجب ان يحتضن تنوّعهم الثقافي ويحميه. وقد اجاب الامام صراحة على هذه المشكلة بقوله” انها مسألة مساواة”. فلا بد للبنانيين ان يوفقوا باخلاص وامانة الى بناء المواطنة التي هي قاعدة نجاح هذه الصيغة اللبنانية وتعزيزها بالمساواة والمشاركة في كل نواحي الحياة.

‏وكان الامام صاحب اجتهاد فذ في الدعوة الى الدولة المدنية. اي بالتمييز بين المجال السياسي والمجال الديني لا الفصل على الطريقة ” العلمانية ” المعروفة في بعض بلدان الغرب مثل فرنسا. فهو يسبعد العلمانية لملابساتها الفكرية الكثيرة، لكنه يحسم في ضرورة  قيام الاجتماع السياسي في المجتمعات التعدّديّة على المعايير الوضعيه التي تدار بها المؤسسات شرط الحفاظ على المجتمع الاسلامي وثقافته وحريّتة.

‏ولأن صيغ الاجتماع السياسي يجب الا تنفصل عن قيم الاجتماح الانساني عمومًا وخصائصه في كل بلد، اعاد الامام النظر في الدعوة لإلغاء الطائفية السياسية ونصح بالحاح على سحب شعارات الديموقراطية العدديّة من التداول لمصلحة ما اسماه ” عقلنة ألطائفية السياسية ترشيدها ” وإيجاد معايير للعدالة في  سياق ‏العقلنة هذه فالغاؤها يحتاج الى تفكير وعمل كثير لانضاج ظروف الدولة المدنية المتحررة من كل قيد طائفي”.

‏وينطلق الامام في تفكره من نظرته الى الوجود المسيحي القلق، والذي يدعو المسلمين اليوم، اذا ما اخذوا بالحسبان المعطيات الديموغرافية والسياسية والثقافية، ان يعوا واجبهم من  “حيث اعطاؤه الضمانات والتطمينات”. فمن وصاياه الاساسية الحرص على الوجود المسيحي وفاعليته وشعوره الكامل ” بالانتماء والرضى”. وتتلامم هذه الوصية مع دعوة الامام الجميع ” الى الانخراط في مشروع الدولة” لأن الخروج عن مشروع الدولة هو دخول في مجازفات الانقسام التي تعطّل معنى لبنان ودوره. فلا معنى للبنان اذا كان للمسلين مشروعهم وللمسيحيين مشروع آخر يتفرّدون به. ولهذا يقول ” ادعوكم الى تجديد الثقافة السياسية ولغة الخطاب السياسي، والى الانخراط بقوة في الممارسة السياسية النظيفة التي تلتزم المرقابة والمحاسبة على الدولة وتكون العين اليقظة الساهرة على قضايا الوطن والمجتمع. ادعوكم الى تجديد حياتنا السياسية وتجديد اهتماماتنا السياسية. لأننا مسؤولون عن بعث لبنان من تحت الرماد، واحياء دوره وتطوير صيغته وبناء مؤسساته… فلبنان معنى ودور، وحوار حياة، انتج صيغة فريدة للعيش المشترك ونمطًا مميّزًا علينا حفظهما وتطويرها..”.وفي هذه الايام الصعبة التي يمر بها لبنان، حيث تتجدت الشكوى ويعلو صوت الهواجس وتتفتح الاسئلة على المستقبل في عيون الشباب الذي يتقدم لأخذ دوره ومكانه ومعه الكثيرون ممن استعاوا لبنانيتهم الجامعة او اعادوا اكتشافها التي عرفها الامام وشهد لها. لم يكن الامام للمسلمين الشيعة وحدهم، فانه رأى نفسه وكنا نرأه مسؤولاً عن المسيحيين كما هو مسؤول عن المسلمين. لقد علمّنا أن كلا منا لأمر الله عن الآخر نبني حياتنا الدنيا معّا ونسير في اتجاه واحد.

‏فى عام 992  ‏اطلق صرخة قال  ‏فيها ” ليس هاجسي الكبير كيف يتمثّل المسلمون في هذه الانتخابات انّما هاجسي الكبير كيف سيتمثّل المسيحيون”. أي إنه يختار كل فريق منا الفريق الآخر.

‏هذا الاختيار جمعنا في محبة سماحة الشيخ محمد مهدي ثمس الدين وهو اليوم يؤلف، مرة اخرى، بيننا.

النهار الاحد  29 أيار 2005

طارق متري

 

 

Print Friendly

Comments are closed.