Salim Ghazal

مطران التآخي المسيحي الإسلامي

 كان المطران سليم غزال أباً من آباء الكنيسة الحواريين في عصرنا بانفتاحه وإشراقه، مكرّساً حياته لتعزيز ثقافة الحوار المسيحي الإسلامي والعيش المشترك والوحدة الوطنية، ونشر رعوية اللقاء والحوار والتآخي والمصالحة والعدالة والسلام.

 لقد وضع غزال إنسانيته وإيمانه وانفتاحه وتجرّده وتواضعه وصدقه ومحبّته في خدمة أخيه الإنسان والمواطن. هذه القيم جعلت منه معلماً كبيراً بمثُله، وداعية إلى التآخي المسيحي الإسلامي والحرية والكرامة والمواطنة والتراحم والغفران والوحدة الوطنية بامتياز.

 تعلّم في عائلته وبلدته مشغرة ورهبانيته المخلصية وجنوبه أصول الحياة المشتركة الواحدة. وعزّز دوماً بالفكر والمثل والممارسة تنمية روح الانفتاح والحوار والعيش معاً باحترام واعتدال وتفاهم ومرونة. هذا العيش الواحد الذي لا يبنى إلّا على قاعدة الوعي والثقة والقيم الإنسانية والحضارية والثقافية والروحية والعلمية، ولا يتعزّز إلّا من خلال التربية والمعرفة والتجدّد في ضوء تعاليم الكنيسة وفكر التجديد المعاصر.

 كان «أبونا سليم» في الملتقيات والمؤتمرات والحركات واللجان والرعويات والأبرشيات، وفي كلّ ساحات العمل الرسولي والرسالي، مُحباً ومحبوباً وحبيباً، لأنّه كان الشاهد والعامل الصادق بتواضعه وتجرّده وبساطته وانفتاحه على خدمة الإنسان، كلّ إنسان وجميع المواطنين.

 خدمته الجنوبية النقية جعلت منه سيّد الحوار وراعيه. ففي زمن الحرب والعدوان والاحتلال الإسرائيلي كما في زمن الاقتتال الداخلي والتهجير والهجرة، ظلّ في ساحات المعركة مع شعبه يساعد ويواسي، ويعمل من أجل لمّ الشمل، وتضميد الجراح، ومساعدة المعذّبين والفقراء والمحرومين.

 إنّ عودة المهجرين إلى شرق صيدا وبالتالي إلى كلّ الجنوب، هي من عمل «أبينا سليم» وأمثاله من المواطنين الصالحين، مسلمين ومسيحيين، مسؤولين وشرفاء، شاركوا في إعادة إعمار كلّ الجنوب على قدر المستطاع. وفي الوقت ذاته، عمل على دعم بعض المشاريع التنموية بمساعدة بعض المؤسسات الوطنية والعالمية.

 جوهر عمله الوطني قام على الأمانة لمبادئه الإنجيلية والإنسانية والوطنية والعربية والمشرقية، والدفاع عن العيش المشترك ووحدة لبنان واستقلاله وحريته وعروبته، والالتزام بالحوار الحقيقي والصادق الذي هو ملازم للحرية والعدالة والتنمية الإنسانية الشاملة لأجل قيام الدولة المدنية الراقية والمنزّهة عن كل تمييز وعنصرية وفئوية وطائفية ومذهبية. دولة كرامة المواطنين في لبنان والعالم العربي وعزّتهم.

 إن من يكون جنوبياً لا يمكنه إلّا أن يكون لبنانياً فلسطينياً ومقدسياً ومدافعاً عن لبنان وفلسطين والقدس أمّ الكنائس، ويرى أنّ خيار الممانعة وثقافة المقاومة هما الطريق إلى الحرّية والتحرير والتحرّر والاستقلال والقيامة والنهوض والخلاص.

 كان المطران سليم غزال رفيق البطريرك غريغوريوس الثالث لحّام (والمطران جورج كويتر ومجموعة من الرهبان المخلصيين) في تأسيس «دار العناية» في الصالحية سنة 1966. وظلّا على تواصل وتعاون ومودّة. وبعد طول انتظار عجيب، وفي بدايات بطريركيته، انتخبه مجمع الأساقفة مطراناً ومعاوناً بطريركياً. فكان بكر المطارنة الذين سامهم البطريرك لحّام. وكم تاق إلى أن يراه إلى جانبه في تدشين المركز العالمي للحوار و«اللقاء» في الربوة، والمشاركة في خدمة حوار الحضارات والثقافات والأديان لكونه الخبير الأصيل وراعي رعوية الحوار. لكنّ سيّد القيامة استدعاه إلى ملكوته تاركاً سيّدنا بطريرك كنيسة العرب يتابع جهاده النهضوي مع القياميين في الحياة، ليصل إلى التمام والكمال بشفاعة القياميين في الملكوت.

 طوبى لأهل الإيمان والرجاء، والسلام على مركز «اللقاء» القيامي والنهضوي. وليكن ذكر الراعي الصالح سليم غزال مطران التأخي المسيحي الإسلامي في الشرق مؤبّداً. وإلى متابعة مسيرة الحوار المسيحي الإسلامي وبنيان ثقافة حوار الحضارات والثقافات والأديان التي هي خلاص وطني وعربي وعالمي بهمة اللجنة الأسقفية للحوار المسيحي الإسلامي ومشاركة جميع المسلمين والمسيحيّين وأصحاب الإرادات الصالحة في أربعة أقطار العالم والمسكونة كلّها.

 الأب أنطوان ضو

  05 أيار 2011

مطران التآخي المسيحي الإسلامي

 

Print Friendly

Comments are closed.