Youakim Moubarak

الأب يواكيــــم مبــــارك بيننــــا

 يضجع الآن الأب يواكيم مبارك في تراب لبنان مع آبائه. كنا نشتاقه ان يعود وهو أَحَبَّ ان يسكن حضن الأرض الأم. بهذا يحس المستبقَون ان هذا الذي اغترب لا يزال لصيقًا بهم حتى يبوّقَ البوق الأخير “فيقوم الأموات عادمي الفساد”.

عشنا زمنا باريسيا واحدا أثناء تحصيل كل منّا اللاهوت ولم نلتق. ربما كان السبب اني لم أقرأه هناك. كان لنا هنا اول لقاء لا يمكنكم تصديقه، وكان هذا في صيف الـ1955 أوالـ1956 اذ كنت أتمشّى في شارع عزمي في الفيحاء ووجدتني على يسار طريقي امام كاهن أسمر لباسه أوروبي فقلت له: ألستَ انت يواكيم مبارك؟ قال ألست انت جورج خضر؟ ثم قال: انتظر هنا الأب جان دانيالو لأصطحبه الى كفرصغاب. اتريد ان تساهرنا؟ أحيينا الليل كله في مسامرة فكر.

كانت تجمعنا عصبية الشمال على لطفها. سألته مرة: كيف يجيء شاب مارونيّ من الجبل الى دراسة الإسلاميات. قال: بدأت رحلتي الى معرفة الإسلام منذ طفولتي اذ كان أبي يصطحبني الى محلات رفعت الحلاب لنأكل حلوى وهناك كنت أقرأ هذه الجملة: “كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا الله”. وأبي كما تعلم كان خوري الضيعة. اجابني عن سؤالي: هذه آية من القرآن. فسألته ما القرآن، واخذ يشرح لي هذا حتى رأيت نفسي في رشدي غارقا في الإسلاميات. داعبته هكذا: الحلوى الطرابلسية اتت بك الى كل هذا العلم.
ومع اني دخلت أنا الى هذا المجال، أحسست اني لم أبلغ إحاطته بهذه المعرفة أو استلذاذه لهذه المادة. ذهلت مرة وانا في مجموعة من مسيحيين ومسلمين في جنيف بعد ان دعوناه إماما لصلاتنا وظننت انه سيتلو لنا فصلا من الإنجيل، ذهلت لكونه اخذ يقرأ علينا سورة الرحمان اذ لا يزال يطن في أذني: “فبأي آلاء ربكما تكذبان”. لحظت ان الفريق المسلم ارتضى تلاوة قرآنية من كاهن مسيحي وذلك في لقاء مشترك. آنذاك كنت أتولى تدريس الإسلام في البلمند، فرأيت ان يتعهّد المادة من بعدي الأب يواكيم فتعهدها وأصدر فيها كتابه الصغير “الإسلام” مع مقدمة وضعها المغفور له الشيخ صبحي الصالح. آنذاك اي في منتصف الستينات كانت بين دارسي الإسلام من مسيحيين ومسلمين مجاورة تصل الى حد التحابّ.

لم يمس عقيدته المسيحية بشيء، وهذا لم يثنه عن تعابير في التقوى من الكنيسة اللاتينيّة، كدت أعلم انها دخيلة على الكنيسة المارونية. غير انه في كهولته وضع “الخماسية المارونية” في خمسة اجزاء بالفرنسية في مناخ صداقات بيروتية ما كان بعض الأرثوذكسيين مقصيين عنها، وأظن ان الخماسية قوّت فيه النزعة الى التصوّف السرياني القديم الذي كانت روحه متجلببة به لما فارقنا.

كان يرتاح الى هذا الإنتاج الضخم. على هذه الصورة أتت الخماسية الإسلامية – المسيحية. تبدو الموسوعة عند مبارك أقرب الى ذوقه من الكتب الصغيرة. غير أن الرجل لم يكن ليفنى في العلم. القلب عنده كان الأهم. فمن وراء الإسلاميات مثلا كان يقصد العائلة الإبراهيميّة كما سمّاها ماسينيون اي لقاء اليهود والمسيحيين والمسلمين. ما كان يجذبه الى ابراهيم هو قول الله: “آمن ابراهيم بالله فحُسب له ايمانه برا”. هذا صدى لما قاله يعقوب ابو الأسباط: “اني رأيت الله وجها لوجه ونجيَتْ نفسي”. لا العلم اذًا بل الخلاص. ولاهوت هذه الجماعة أو تلك مسعى خلاص كائنا ما كانت التسمية.

أظنّ ان الإسلام قاد مبارك الى ما كان يسمّيarabité، ولعله هو الذي جعلها عُربة لا عروبة اذ لم أكن أعرفه عروبيّ الهوى. واللفظة arabité نحتها ليوبولد سنغور. ولكوني مشيت مثله في هذا الخط الثقافي حاضرنا في أمسية واحدة في باريس عن العربة. كان عربي الاندفاع من حيث انه كان ضدّ الاستعمار وأراد للبنان تبنيا صادقا للعالم العربي. ما كان عنده حرج من اختلاط ما بين العروبة والإسلام. ولو شئت ان ابالغ قليلا لقلت انه كان يرتاح في الإسلام. هذا لم يمنعه من القيام بركيعات مسيحية نظامية. أظنّ انه كان يحب في خلوته ان تتمازج العربية والسريانية كما كان يريد الا يهمل الارثوذكسيون اليونانية. ما كان يريد ان تفنى اللغات القديمة عند المسيحيين في العربية. القديم كثيرا ما يحييك. أظنّ ان البطريرك بولس مسعد الماروني في الشقة التي سكنها في استانبول سمع من الطابق العلوي من يرتل بالسريانيّة فعلم بعد استقصاء انه كان احمد فارس الشدياق.

كان واضحا عندي ان الأب يواكيم لم ينغلق ابدًا في الأكاديميّة. أجل تحركات القلب يجب ان تنضبط، والذهن اذا جفّ يموت ويميت. كان يواكيم رائعا في التنقّل بين العقل والقلب. كان يحب الإطلالات على التراثات المختلفة على حبّه العظيم للكثلكة في وجهها الغربي.

على كل هذا العلم كان قريبا من البسطاء يخدم في تواضع كاهن قروي. هذا الذي كان من الموارنة الذين تعملقوا منذ انشاء الكلية المارونية في روما لم يسكره مجد العالم. القديس سمعان العمودي وسائر العموديين في كنيسة أنطاكية كانوا أحبّ اليه من اللاهوتيين مجموعين. هو وبعض علماء المارونية يقرأونها امتدادا لسمعان العمودي وللحركة الرهبانية الممتدة منه. هذه الرؤية تلتقي حلم قنوبين عنده، فاشتدت وطأة الصومعة عليه لكنه لم يستطع ان يعود حقا الى قنوبين حتى صلي عليه فيه. لاحقته بادية الشام الغنية بالأديار الى فرنسا. ما سكنت هذه البادية جسدك ايها الناسك العظيم حتى عاد جسدك الطاهر الى الرؤية التي تخترق التراب حتى الشمس. لقد شربت من نتاج الكرمة في ملكوت ابيك لما تواريت عن عيوننا، غير اننا اياك مبصرون في القلب وما استخلفت في الدراسات.

انت تأصّلت في قاديشا وعلوتها. جئت من لبنان وعانقت العالم. همّك فقراء الأرض وأن يتعزّوا في فراديس يُنزلها الله عليهم. أستشفعك يا يواكيم. بوركت تبريكا كبيرا الى يوم يبعثون.

 

المطران جورج خضر

                                                           موقع جريدة النهار، الإثنين 7 أيلول2009

 

Print Friendly

Comments are closed.